تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
تعالى :
لَكُمْ
إشارة إلى المرسل إليهم . وقوله تعالى :
مِنْهُ
إشارة إلى المرسل . وقوله تعالى :
نَذِيرٌ
بيان للرسول وقوله تعالى :
مُبِينٌ
إشارة إلى ما تعرف به الرسالة ، لأن كل حادث له سبب ، فلا بد للرسول من علامة يعرف بها وهي البرهان أو المعجزة ،
وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
بل وحدوا اللّه ، فإن التوحيد بين التعليل والتشريك ، فالمعطل يقول : لا إله أصلا والمشرك يقول : في الوجود آلهة . تعالى :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
أثبت وجود اللّه . وقوله تعالى :
وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
نفى الأكثر من الواحد فصح التوحيد بالآيتين . ولهذا قال اللّه تعالى مرتين :
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
( 51 ) أي لا أقول شيئا إلّا بدليل ظاهر ، فالرسول نذير من اللّه في المقامين عند الأمر بالطاعة ، وعند النهي عن الشرك ، وذلك ليعلم أن العمل لا ينفع إلّا مع الإيمان ، وأنه لا يفوز عند اللّه إلّا الجامع بينهما ،
كَذلِكَ
خبر مبتدأ محذوف ، وقد فسر هذا الإبهام بما بعده ، أي الشأن مثل ما ذكر من تكذيبهم الرسول وتسميتهم له ساحرا ، أو مجنونا ،
ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ
( 52 ) أي ما أتى الأمم الأولين رسول من رسل اللّه ، إلّا وقد قالوا في حقه هو ساحر أو مجنون
أَ تَواصَوْا بِهِ
. وهذا الاستفهام للتعجيب والتوبيخ والإنكار ، أي أتواصى بهذا القول بعضهم بعضا حتى اتفقوا عليه ، كأن بعضهم قال لبعض : لا تقولوا إلّا هذا القول ، أي كيف اتفقوا على قول واحد كأنهم توافقوا عليه ، أي ما وقع منهم وصية بذلك لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد ،
بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ
( 53 ) أي لم يكن ذلك عن التواطؤ وإنما كان لمعنى جامع هو أن الكل استغنوا بالأموال ، فنسوا اللّه وجاوزوا الحد في العصيان ، فكذبوا رسلهم ،
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ
أي فأعرض يا أشرف الخلق عن جدالهم بعد ما كررت عليهم الدعوة ، فأبوا إلّا العناد
فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ
( 54 ) أي لا تحزن فإنك لست بملوم بسبب التقصير منكم وانما هم الملومون بالإعراض والعناد ،
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
( 55 ) ، أي ولا تدع العظة فإنها تزيد المؤمنين قوة في يقينهم
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) أي إلّا ليقروا بالعبودية طوعا أو كرها كما قاله ابن عباس ، أي فإن الكافرين يقرون للعبودية ، وهو إظهار التذلل بالخلقة الدالة على وحدانية اللّه تعالى وانفراده بالخلق ، واستحقاق العبادة دون غيره ، فالخلق كلهم عابدون بهذا الاعتبار ، أو إلّا لآمرهم بالعبادة كما نقل عن علي بن أبي طالب وهي التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه فإن هذين النوعين لم يخل شرع منهما ، واللام لام الحكمة ، والسبب شرعا . وقال مجاهد : « إلّا ليعرفوني » أي لأنه تعالى لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال عن ربه : « كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف » « 1 » . اه وعبر بالعبادة عن المعرفة لأنها وسيلة إلى المعرفة أي أن اللّه خلق الخلق
هامش
( 1 ) رواه السيوطي في الدر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة 126 ، وعلي القاري في الأسرار -