تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
فرجع سلمان إليهما فأخبرهما فقالا : كان عند أسامة ولكن بخل ، فبعثا سلمان إلى بعض الصحابة ، فلم يجد عندهم شيئا ، فلما رجع قالا : لو بعثنا سلمان إلى بئر سمحة لغار ماؤها ، فلما راحا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهما : « ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما ؟ » « 1 » فقالا : ما تناولنا لحما في يومنا هذا ! فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اغتبتما سلمان وأسامة » فنزلت هذه الآية ، ثم قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى
أي من آدم وحواء ، ومن أب وأم ، فالكل سواء في ذلك ، فلا وجه للتفاخر بالنسب ،
وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ
وطبقات النسل التي عليها العرب سبعة : الشعب ، والقبيلة ، والعمارة ، والبطن ، والفخذ ، والفصيلة ، والعشيرة . وكل واحد يدخل فيما قبله ، فالعشائر تحت الفصائل ، وهي تحت الأفخاذ ، وهي تحت البطون ، وهي تحت العمائر ، وهي تحت القبائل ، وهي تحت الشعوب . فخزيمة شعب ، وكنانة قبيلة ، وقريش عمارة ، وقصي بطن ، وعبد مناف فخذ ، هاشم فصيلة ، والعباس عشيرة .
لِتَعارَفُوا
أي ليعرف بعضكم بعضا بأصل الإنسان فلا ينتسب أحد إلى غير آبائه لا لتتفاخروا بالآباء والقبائل ، ولا لتدعوا التفاوت في الأنساب ،
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
. قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سره أن يكون أكرم الناس فليتق اللّه » « 2 » . وعن ابن عباس قال : كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى . قال الرازي : سمعت أن بعض الشرفاء في بلاد خراسان كان في النسب أقرب الناس إلى علي رضي اللّه عنه ، غير أنه كان فاسقا ، وكان هناك مولى أسود تقدم بالعلم والعمل ، ومال الناس إلى التبرك به ، فاتفق أنه خرج يوما من بيته يقصد المسجد ، فاتبعه خلق ، فلقيه الشريف سكران ، وكان الناس يطردون الشريف ويبعدونه عن طريقه ، فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ . وقال له : يا أسود الحوافر والشوافر ، يا كافر بن كافر ، أنا ابن رسول اللّه أذل ، وتجل ، وأذم وتكرم ، وأهان وتعان ، فهمّ الناس بضربه . فقال الشيخ : لا ، هذا محتمل منه لجده ، وضربه معدود بحده ، ولكن يا أيها الشريف بيّضت باطني وسوّدت باطنك ، فيرى الناس بياض قلبي فوق سواد وجهي ، فحسنت وأخذت سيرة أبيك وأخذت سيرة أبي ، فرآني الخلق في سيرة أبيك ورأوك في سيرة أبي ، فظنوني ابن أبيك وظنوك ابن أبي ، فعملوا معك ما يعمل مع أبي وعملوا ما يعمل مع أبيك .
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
بأنسابكم وبأعمالكم .
خَبِيرٌ
( 13 ) ببواطن أحوالكم ، لا تخفى عليه أسراركم ، فاجعلوا التقوى عملكم وزيدوا في التقوى .
هامش
( 1 ) رواه القرطبي في التفسير ( 16 : 331 ) . ( 2 ) رواه العجلوني في كشف الخفاء ( 1 : 373 ) ، وابن عدي في الكامل في الضعفاء ( 7 : 2565 ) .