تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
اللّه وأفضل نصيبا ،
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
، أي ولا يعب بعضكم بإشارة أو نحوها ، فصرتم عائبين من وجه معيبين من وجه
وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ
، أي ولا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ
أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسق بعد دخولهم في الإيمان واشتهارهم به . ويقال : هذا إتمام للزجر ، ويصير التقدير : بئس الفسوق بعد الإيمان ، وبئس أن تسموا بالفاسق بسبب السخر واللمز والتنابز بعد ما سميتم مؤمنين .
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
( 11 ) أي ومن يجعل ذلك عادة ، ولم يتركه ، ولم يتب عما مضى فهو ظالم .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ
فيجب الاحتياط والتأمل في كل ظن حتى يعلم أنه من أي نوع ، فإن من الظن ما يجب اتباعه ، كالظن فيما لا قاطع فيه من العمليات ، وظن الخير من اللّه تعالى ، ففي الحديث القدسي « أنا عند ظن عبدي بي فلا يظن بي إلّا خيرا » ، وظن الخير في المؤمن ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ظنوا بالمؤمن خيرا » ومنه ما يحرم كالظن في الإلهيات والنبوات ، وظن السوء بالمؤمن ، ومنه ما يباح كالظن في الأمور المعاشية .
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
أي ذنب يستحق العقوبة
وَلا تَجَسَّسُوا
أي ولا تبحثوا عن عورات المسلمين . والمعنى : ولا تتبعوا الظن ولا تجتهدوا في طلب اليقين في معايب الناس ،
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
أي لا يذكر بعضكم بعضا بالسوء في غيبته .
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
. وقرأ نافع بتشديد الياء وهو حال من « اللحم » ، أو من « الأخ » ، فالاغتياب كأكل لحم الآدمي ميتا ، ولا يحل أكله إلّا للمضطر بقدر الحاجة ، فالمغتاب إن وجد لحاجته مدفعا غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب ، ففي هذه الآية نهى عن اغتياب المؤمن دون الكافر . أما الفاسق فيجوز أن يذكر بما فيه عند الحاجة ، فمن نقص مسلما أم ثلم عرضه فهو كآكل لحمه ، حيا ومن اغتابه فهو كآكل لحمه ميتا ، لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه .
فَكَرِهْتُمُوهُ
؟ أي الأكل ، فالاستفهام في قوله تعالى :
أَ يُحِبُّ
للإنكار ، فكأنه تعالى قال : لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه إذا . وقرئ « كرهتموه » بغير فاء أي جبلتم على كراهته ،
وَاتَّقُوا اللَّهَ
بترك ما أمرتم باجتنابه ، وبالندم على ما صدر عنكم من قبل ،
إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ
( 12 ) ذكر اللّه تعالى في هذه الآية أمورا ثلاثة مرتبة ، فكأنه تعالى قال : لا تقولوا في حق المؤمنين ما لم تعلموه فيهم ، بناء على الظن ، ثم إذا سئلتم عن المظنونات فلا تقولوا : نحن نكشف أمورهم لنستيقنها قبل ذكرها ، ثم إن علمتم منها شيئا من غير تجسس فلا تقولوه ، ولا تفشوه عنهم ، ففي الأول نهي عن التكلم بما لم يعلم ، ثم نهي عن طلب علم عيب الناس ، ثم نهي عن ذكر ما علم منه . روي أن رجلين من الصحابة بعثا سلمان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يطلب منه لهما طعاما فقال له : « انطلق إلى أسامة بن زيد واطلب منه فضل طعام وإدام إن كان عنده » . فأتاه فقال ما عندي شيء ،