تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
صددناك عن البيت ، وما قاتلناك ، اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه أهل مكة . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اكتب ما يريدون » . فهمّ المؤمنون أن يبطشوا بهم ، وكان في نفس المؤمنين أن لا يرجعوا إلّا بأحد الثلاثة بالنحر في المنحر ، وأبوا أن لا يكتبوا محمدا رسول اللّه ، وبسم اللّه ، فأنزل اللّه السكينة عليهم ، فلمّا سكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سكن المؤمنون ، فلمّا فرغ من قضية الكتاب قال صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه : « قوموا فانحروا ثم احلقوا » « 1 » . فما قام منهم أحد حتى قال ذلك ثلاث مرات لما حصل لهم من الغم . فقام صلّى اللّه عليه وسلّم ودخل على أم سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس من عدم امتثال أمره صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت له : يا نبي اللّه اخرج ولا تكلّم أحدا منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك ، فخرج ، ففعل ذلك ، فلما رأوا ذلك منه صلّى اللّه عليه وسلّم قاموا ، فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضا ،
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى
أي ألهم اللّه المؤمنين كلمة الشهادة وهي : « لا إله إلّا اللّه » حتى لا يلتفتوا إلى ما سوى اللّه تعالى ،
وَكانُوا أَحَقَّ بِها
أي كانوا أحق بكلمة التوحيد في علم اللّه تعالى ،
وَأَهْلَها
أي وكانوا متصفين بكلمة التقوى في الدنيا ، لأن اللّه تعالى اختارهم لصحبة نبيه ،
وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
( 26 ) فيسوق كل شيء إلى مستحقه ،
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ
أي لقد جعل اللّه رؤيا رسوله صادقة صدقا ، ولم يجعلها أضغاث أحلام . وقوله :
بِالْحَقِّ
إما صفة لمصدر محذوف أي صدقا ، ملتبسا بالحكمة البالغة وهي التمييز بين الراسخ في الإيمان والمتزلزل فيه ، أو حال من « الرؤيا » ، أي ملتبسة بالصدق ليست من نوع أضغاث الأحلام حيث قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه وقت خروجه إلى الحديبية : واللّه
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ
تعالى
آمِنِينَ
من العدو ، فلا تخافون عدوكم من أن يخرجكم في المستقبل
مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ
. فقوله تعالى :
لَتَدْخُلُنَّ
إشارة إلى أداء الحج ، و
مُحَلِّقِينَ
إشارة إلى تمام الحج
لا تَخافُونَ
من العدو فيبقى أمنكم بعد خروجكم عن الإحرام ، لأن الإنسان إذا خرج عن الإحرام بالحلق لا يحرم عليه القتال ، وكان عند أهل مكة يحرم قتال من أحرم ومن دخل الحرم ، أي رأى عام الحديبية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين ، وقد حلقوا رؤوسهم وقصروا فقصّ الرؤيا على أصحابه ، ففرحوا ، وحسبوا أنهم دخلوا مكة في عامهم ، فلمّا خرجوا معه صلّى اللّه عليه وسلّم وصدّهم الكفار
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في تاريخ أصفهان ، والشجري في الأمالي ( 1 : 205 ) ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ( 5 : 204 ) ، والمتقي الهندي في كنز العمال ( 2139 ) ، وابن ماجة في السنن ( 1333 ) ، والسيوطي في الحاوي للفتاوي ( 2 : 48 ) ، وابن كثير في التفسير ( 7 : 342 ) ، والقرطبي في التفسير ( 16 : 293 ) ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ( 1 : 341 ) ، والعقيلي في الضعفاء ( 1 : 176 ) ، وابن العراقي في تنزيه الشريعة ( 2 : 106 ) ، والعجلوني في كشف الخفا ( 2 : 378 ) ، وعلي القاري في الأسرار المرفوعة 357 ، والفتني في تذكرة الموضوعات 48 ، والشوكاني في الفوائد المجموعة 35 ، والسيوطي في اللئالئ المصنوعة ( 2 : 17 ) ، وابن الجوزي في الموضوعات ( 2 : 109 ) ، وابن القيسراني في تذكرة الموضوعات 876 .