تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ
( 55 ) في البحر ،
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً
أي متقدمين ليتعظ بهم كفار أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقرأ حمزة والكسائي بضم السين واللام والباقون بفتحهما ،
وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ
( 56 ) أي عظة لمن بقي بعدهم ، وقصة عجيبة لهم ،
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا
أي لما جعل عيسى مشابها للأصنام في كونه معبودا
إِذا قَوْمُكَ
قريش
مِنْهُ
أي من ذلك المثل
يَصِدُّونَ
( 57 ) أي يضحكون وترتفع أصواتهم فرحا بما سمعوا من ابن الزبعري لظنهم أن محمدا صار مغلوبا بهذا الجدال . روي أنه لما نزل قوله تعالى :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
قال عبد اللّه بن الزبعري : هذا خاصة لنا ولآلهتنا ، أو لجميع الأمم ؟ ! فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم » فقال عبد اللّه : خصمتك ورب الكعبة ، أليس النصارى يعبدون المسيح ، واليهود عزيرا وبنو مليح الملائكة ، فإذا كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن والهتنا معهم ؟ ! فسكت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفرح القوم وضجوا فنزلت هذه الآية . وعبد اللّه هذا صحابي مشهور ، وهذه القصة كانت قبل إسلامه ، وقرأ نافع وابن عامر ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم بضم الصاد وهو قراءة علي بن أبي طالب ، والباقون بكسرها هو قراءة ابن عباس .
وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ
أي إن جاز لعيسى الدخول في النار مع النصارى يجوز لنا الدخول في النار مع آلهتنا وأنت تزعم أن آلهتنا ليست خيرا من عيسى ، فإذا كان هو من حصب جهنم كان أمر آلهتنا أهون . وقيل : إن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا : نحن أهدى من النصارى لأنهم عبدوا آدميا ونحن نعبد الملائكة . فقولهم : أآلهتنا خير أم هو تفضيل لآلهتهم على عيسى ، وقيل : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح ، قالوا : إن محمدا يدعونا إلى عبادة نفسه وآباؤنا قالوا : يجب عبادة هذه الأصنام ، فحينئذ عبادة الأصنام أولى لأن آباءنا متطابقون عليه . وإما محمد فإنه متهم في أمرنا بعبادته فمعنى أآلهتنا خير أم هو أي أعبادة الأصنام خير أم عبادة محمد والوقف على « أم » هو تام .
ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا
أي ما ضربوا لك هذا المثل إلّا لأجل الغلبة في القول لا لطلب الفرق بين الحق والباطل ،
بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
( 58 ) أي شداد الخصومة مجبولون على اللجاج ، فإن قوله تعالى :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
لا يتناول عيسى والملائكة لأن كلمة « ما » لا تتناول العقلاء البتة ولأن النصوص الدالة على تعظيم عيسى والملائكة أخص من هذا القول . والخاص مقدم على العام .
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ
( 59 ) أي ما عيسى إلّا عبد كسائر العبيد شرفناه بالنبوة والإقدار على الخوارق ، وليس هو باله وصيرناه عبرة عجيبة حيث خلقناه من غير أب ليعرفوا تمييزنا بالقدرة الباهرة ،
وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ
( 60 ) أي ولو