تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
وقرأ نافع وأبو عمرو « وأن يظهر » بالواو الجامعة بين أمرين . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم « أو يظهر » بفتح الياء والهاء ورفع « الفساد » فالقراءات السبعية أربعة : ثنتان مع « أو » وهما : نصب « الفساد » ورفعه . وثنتان مع « الواو » . كذلك ، وقرئ « يظهر » بتشديد الظاء والهاء أي يتتابع
وَقالَ مُوسى
لقومه حين سمع ما يقوله اللعين من حديث قتله
إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ
( 27 ) ، وموسى عليه السلام ولم يأت في دفع شر فرعون إلّا بأن استعاذ باللّه واعتمد على فضل اللّه ، فصانه اللّه عن كل بلية وأوصله إلى كل أمنية ، والمسلم إذا قال عند القراءة ، أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، فاللّه تعالى يصون دينه وإخلاصه عن وساوس شياطين الجن ، فكذلك إذا قال المسلم : أعوذ باللّه عند توجه الآفات والمخافات ، فاللّه يصونه عن كل الآفات والمخافات من شياطين الإنس .
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
وكان قبطيا ابن عم لفرعون آمن بموسى سرا ، أو غريبا موحدا ، أو اسمه حزقيل أو شمعان ،
يَكْتُمُ إِيمانَهُ
من فرعون وملئه خوفا على نفسه مائة سنة ،
أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ
أي أتقصدون قتل رجل لأجل أن يقول : ربي اللّه وحده من غير تأمل في أمره ،
وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ
أي بالمعجزات الظاهرات
مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ
! أي وإن كان هذا الرجل كاذبا كان ضرر كذبه عائدا عليه فاتركوه ،
وَإِنْ يَكُ صادِقاً
وقد كذبتموه ،
يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ
من العذاب في الدنيا . فكان الأولى على كلا التقديرين إبقاءه حيا . والحاصل أن المقصود بيان أنه لا حاجة إلى قتله بل يكفيكم أن تعرضوا عنه وأن تمنعوه عن إظهار دينه
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ
( 28 ) . وهذا كلام ذو وجهين أي لو كان موسى مسرفا كذابا لما هداه اللّه تعالى إلى الأحكام ، ولما قواه بعلامات النبوة . وإن كان كذلك أهلكه اللّه فلا حاجة لكم إلى قتله . وهذا إشارة إلى علو شأن موسى على طريق الرمز ، وإلى التعريض لفرعون بأن اللّه لا يهديه منهاج النجاة ، لأنه مسرف في عزمه على قتل موسى ، كذاب في جرأته على ادّعاء الإلهية ، واللّه تعالى لا يهدي من هذا شأنه ، بل يهدم أمره ، ولما أقام مؤمن آل فرعون أنواع الدلائل على أنه لا يجوز الإقدام على قتل موسى خوفهم في ذلك بعذاب اللّه فقال :
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ
أي عالين الناس في أرض مصر فلا يقاومكم أحد في هذا الوجه ،
فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا
، أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لعذاب اللّه بقتل موسى فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد ، ولما قال ذلك المؤمن هذا الكلام .
قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى
أي لا أشير إليكم برأي سوى ما ذكرته أنه يجب قتله حسما لمادة الفتنة ، ولا أسر عنكم غير ما أظهره . ولقد كذب فرعون حيث كان مضمرا للخوف الشديد ، ولكنه كان يتجلد ولولاه لما استشار أحد أبدا
وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
( 29 ) أي ما أدعوكم بهذا الرأي إلّا إلى طريق الصواب والصلاح .