تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
والعاصون ،
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
( 9 ) أي إنما يتعظ بهذه البيانات الواضحة أصحاب العقول الصافية ، ولا يعرف التفاوت الحاصل بين العلماء والجهال إلّا أصحاب القلوب النيرة . وقيل لبعض العلماء : إنكم تقولون : العلم أفضل من المال ، ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء ، فأجاب بأن هذا أيضا يدل على فضيلة العلم ، لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه ، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه .
قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ
أي قل لهم ربكم يقول : أطيعوا ربكم في الصغير والكبير من الأمور
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ
، والجار والمجرور إما صلة لأحسنوا والمعنى للذين عملوا الأعمال الحسنة في هذه الدنيا على وجه الإخلاص حسنة عظيمة في الآخرة ، وهي الجنة . وإما صلة لحسنة . والمعنى : الذين أحسنوا في هذه الدنيا أمن وصحة وكفاية
وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ
، أي فإن لم يتمكنوا من صرف الهمم إلى الإحسان في بلادهم فقل لهم : فإن أرض اللّه واسعة فلتهاجروا من تلك البلاد إلى بلاد تقدرون فيها على الاشتغال بالعبادات ، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا طاعة إلى طاعتهم ، لأنه لا عذر البتة للمقصرين في الإحسان
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ
على مفارقة أوطانهم وعشائرهم ، واحتمال البلايا في طاعة اللّه تعالى
أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
( 10 ) ، أي بغير نهاية بهنداز ونحوه .
قُلْ
يا أشرف الرسل لكفار قريش - حيث قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ما حملك على هذا الدين الذي أتيتنا به ، ألا أنتظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك ، يعبدون اللات والعزى ، فتأخذ بها - :
إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ
( 11 ) أي العبادة عن شوائب الشرك والرياء وغير ذلك ،
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ
( 12 ) أي وأمرت بأن أكون أول من تمسك بالعبادات التي أرسلت بها ، فإني لست من الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلون ذلك ، بل كل ما أمرتكم به فأنا أول الناس شروعا فيه ، وأكثرهم مداومة عليه ، والعبادة لها ركنان : عمل القلب ، وعمل الجوارح . فعمل القلب : هو الإخلاص ، وعمل الجوارح : هو الإسلام . وهذا فائدة إتيان الأمر مرتين ، ثم بيّن اللّه أن هذا الأمر للوجوب فقال :
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
( 13 ) ومعنى هذا العصيان ترك الأمر الذي تقدم ذكره
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي
( 14 ) ، أي لا أعبد أحدا سوى اللّه . والأول إخبار بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور من جهة اللّه تعالى بالإتيان بالعبادة وإخلاص القلب له تعالى . وهذا إخبار بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر أن لا يعبد أحدا غير اللّه ، وإخبار بامتثاله صلّى اللّه عليه وسلّم بالأمر على أبلغ وجه ،
فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ
أن تعبدوه
مِنْ دُونِهِ
تعالى . وفي هذا دلالة على شدة الغضب عليهم .
قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
، أي حين يدخلون النار حيث أوقعوهما في هلكة لا هلكة وراءها ،
أَلا
أي تنبهوا لهذه الخسرة العظيمة ،
ذلِكَ
أي الأمر العظيم
هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
( 15 ) ، فلا خسران وراءه ، فكل خسران يصير في مقابلته كلا خسران ،