لأن في الأول تعريفا بالفعل العجيب وهو الإرسال والإثارة ، وفي الثاني تذكيرا بالنعمة فإن كمال نعمة الرياح والسحب بالسوق والإحياء
كَذلِكَ النُّشُورُ
( 9 ) ، أي إحياء الأموات في سهولة الحصول ، فإن الأرض الميتة لما قبلت الحياة ، اللائقة بها كذلك الأعضاء الميتة تقبل الحياة ، وكما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت نسوق الروح والحياة إلى البدن الميت ، وكما أنا نجمع القطع السحابية بالريح كذلك نجمع أجزاء الأعضاء المتفرقة بالروح .
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً
أي من كان يريد يد العزة فليطلبها من عند اللّه بطاعته ، لأنه لا عزة إلّا للّه ، فإن المشركين كانوا يتعززون بعبادة الأصنام ، ومن اعتز بالعبيد أذله اللّه ، ومن اعتز باللّه أعزه اللّه ،
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
الذي يطلب به العزة وهي كلمة :
« لا إله إلّا اللّه » ،
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
والضمير المستكن عائد ل « الكلم » فإن مدار قبول العمل هو التوحيد ، ويؤيده القراءة بنصب « العمل » أو عائد ل « العمل » فإنه لا يقوى الإيمان بلا عمل ، فإذا رجع الضمير البارز للعمل كانت الضمير المستكن عائدا ل « الكلم » كما تقدم أو للّه تعالى .
وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
أي والذين يكسبون أصناف المكرات السيئات لهم عذاب شديد ،
وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ
( 10 ) أي صنع أولئك هو يفسد ويهلك .
قيل : هي مكرات قريش بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في دار الندوة في إحدى ثلاث : حبسه ، وقتله ، وإخراجه من مكة .
وقال مجاهد : نزلت هذه الآية في أهل الربا . وقال مقاتل : في أهل الشرك باللّه . وقال الكلبي : المعنى يعملون السيئات وعلى هذا فيكون هذا في مقابلة قوله تعالى :
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
وهو إشارة إلى بقاء العمل الصالح . وقوله :
وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ
إشارة إلى فناء العمل السيئ .
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
، فكل أولاد آدم من تراب ومن نطفة ، لأن كلهم من نطفة ، والنطفة من غذاء ، والغذاء ينتهي إلى الماء والتراب
ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً
أي أصنافا ذكرانا وإناثا ،
وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ
في وقته ونوعه وغير ذلك .
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ
، أي وما يمد في عمر أحد
وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ
أي عمر أحد
إِلَّا فِي كِتابٍ
، أي لوح محفوظ .
وعن سعيد : يكتب عمره كذا وكذا سنة ، ثم يكتب أسفل ذلك ، ذهب يوم ذهب يومان حتى يأتي إلى آخره . وقيل : إن اللّه كتب عمر الإنسان مائة سنة إن أطاع ، وتسعين إن عصى ، فأيهما بلغ فهو كتاب واللّه تعالى بيّن كمال قدرته بقوله :
خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ
وكمال علمه بقوله تعالى :
وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ
فإن ما في الأرحام قبل الانخلاق وما في البطن بعده لا يعلم أحد حاله كيف ، والأم الحامل لا تعلم منه شيئا ، ونفوذ إرادته بقوله تعالى :
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ
فبين اللّه إنه هو القادر العالم ، المريد ، والأصنام لا قدرة لها ولا علم ولا إرادة فكيف يستحق واحد منها العبادة ؟ !
إِنَّ ذلِكَ
أي الخلق من تراب وكتابة الآجال
عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
( 11 ) لاستغنائه عن الأسباب فكذلك البعث ،
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا