تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
، أي وإن استمروا على أن يكذبوك يا أشرف الخلق فيما بلغت إليهم من التوحيد والبعث ، والحساب والجزاء وغير ذلك بعد ما أقمت عليهم الحجة فتأس بأولئك الرسل في المصابرة على ما أصابهم من قبل قومهم ،
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
( 4 ) في الآخرة ، فيجازي المكذبين والصابرين .
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
أي يا أهل مكة إن وعد اللّه بالبعث بعد الموت والجزاء ثابت من غير خلف
فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
بأن يذهلكم التمتع بمتاعها ، ويلهيكم التلهي بزخارفها عن الطاعة للّه وعن تدارك ما يهمكم يوم حلول الميعاد ،
وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
( 5 ) بفتح الغين ، أي ولا يغرنكم سبب حلم اللّه وإمهاله المبالغ في الغرور - وهو الشيطان - بأن يمنيكم المغفرة مع الإصرار على المعاصي قائلا : اعملوا ما شئتم إن اللّه غفور يغفر الذنوب جميعا ، فتعاطي الذنوب بهذا التمني مثل تناول السم اعتمادا على دفع الطبيعة .
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ
عظيم ، فإن عداوته عداوة قديمة لا تكاد تزول ،
فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
بمخالفتكم له في عقائدكم وأفعالكم ، وكونوا على حذر منه في جميع أحوالكم ، فإذا فعلتم فعلا فتنبهوا له ، فإنه ربما يدخل عليكم فيه الرياء ويزين لكم القبائح ،
إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ
أي أتباعه في الضلال
لِيَكُونُوا
أي تلك الأتباع
مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ
( 6 ) ، أي النار الموقدة
الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
في الدنيا بفوات مطلوبهم ، وفي الآخرة بالسعير .
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
من صلاة وزكاة وصوم وغير ذلك
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
أي ستر لذنوبهم في الدنيا
وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
( 7 ) في الآخرة .
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً
أي أبعد كون حالي الفريقين - كما ذكر - يكون من زين الكفر له الشيطان ، ونفسه الأمارة ، وهواه القبيح فرآه صوابا فانهمك فيه كمن عرف الحق فاختار الإيمان أو العمل الصالح ؟ ! نزلت هذه الآية في أبي جهل ومشركي مكة ،
فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ
أن يضله لاستحبابه الضلال ، وصرف اختياره إليه فيرده أسفل سافلين ،
وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
أن يهديه بصرف اختياره إلى الهدى فيرفعه إلى أعلى عليين
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
أي فلا تهلك نفسك على عدم إيمانهم لكثرة التحزن . وقرأ أبو جعفر ، وقتادة ، والأشهب بضم التاء وكسر اللام مسند الضمير المخاطب « نفسك » مفعول به
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ
( 8 ) من القبائح فيجازيهم عليه
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ
. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي « الريح » بالتوحيد ، أي أوجدها من العدم فهبوبها دليل ظاهر على الفاعل المختار ، وذلك لأن الهواء قد يسكن وقد يتحرك ، وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين ، وقد يتحرك إلى الشمال ، وفي حركاته المختلفة قد ينشئ السحاب ، وقد لا ينشئ ، فهذه الاختلافات دليل على تسخير مدبر ومؤثر مقدر ،
فَتُثِيرُ سَحاباً
أي فتحركه وترفعه
فَسُقْناهُ
أي السحاب
إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ
أي إلى مكان لا نبات فيه . وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بتشديد الياء
فَأَحْيَيْنا بِهِ
أي بماء السحاب
الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
أي بعد يبسها ، وأسند اللّه تعالى الإرسال إلى الغائب والسوق والإحياء إلى المتكلم ،