تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
يَصُدَّنَّكَ عَنْها
الآية تنبيها على أن رحمته سبقت غضبه وإشارة إلى أن العبد لا بد له في العبودية من الرغبة ، والرهبة ، والرجاء ، والخوف .
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ
أي وما تلك مأخوذة بيمينك
يا مُوسى
( 17 ) ، فقوله :
وَما تِلْكَ
، إشارة إلى العصا ، وقوله :
بِيَمِينِكَ
إشارة إلى اليد . أراد اللّه تعالى بالسؤال أن يثبت قلب موسى ، ويزداد علمه ، حتى إذا قلب اللّه تعالى العصا ثعبانا لا يخافه ولا يعتريه شك ، وكذا إذا أخرج اللّه من يد موسى شعاعا ، فيعرف أن ذلك بقدرة اللّه تعالى . والنكتة في ذلك السؤال ، أنه لما غلبت الدهشة على موسى في الحضرة ، أراد ربّ العزة إزالتها ، فسأله عن أمر لا يغلط فيه وهي العصا . كذلك المؤمن إذا مات ووصل إلى حضرة ذي الجلال ، فالدهشة تغلبه ، والحياء يمنعه عن الكلام ، فتسأله الملائكة عن الأمر الذي لم يقع الغلط فيه في الدنيا وهو التوحيد ، فإذا ذكره زالت الدهشة والوحشة عنه .
قالَ هِيَ
أي التي قارة بيميني
عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
أي أعتمد عليها عند النهوض إلى القيام ، أو عند الإعياء ، أو عند المشي .
وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي
أي أخبط بها ورق الشجر لغنمي . وقرأ عكرمة « وأهسّ » بالسين غير المنقوطة - وهو زجر الغنم وتعديته ب « على » لتضمن معنى الأنحاء والإقبال أي أزجر الغنم بها منحيا ومقبلا عليها
وَلِيَ فِيها
أي العصا
؟ ؟ ؟ مَآرِبُ أُخْرى
( 18 ) ، أي حاجات شتى . وأجمل موسى عليه السلام ، رجاء أن يسأله ربه عن تلك المآرب ، فيسمع كلام اللّه مرة أخرى ، ويطول أمر المكالمة بسبب ذلك . ثم أراد اللّه أن يعرّفه عليه السلام ، أن فيها أعظم من مآربه التي هي : حمل الزاد ، والقوس ، وعرض الزند ، وإلقاء الكساء للاستظلال ، وطرد السباع وغير ذلك ، فأمره اللّه بإلقائها .
قالَ أَلْقِها
من يدك
يا مُوسى
( 19 ) ؟ ؟ ؟
فَأَلْقاها
من يده على الأرض ،
فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
( 20 ) . قيل كانت العصا أول انقلابها حية صفراء صغيرة في غلظ العصا ، ثم انتفخت وتزايد جرمها ، حتى صارت ثعبانا ، فأول حالها جان ، ومآلها ثعبان . وقيل : إنها كانت من أول الأمر في شخص الثعبان ، وسرعة حركة الجان ، وكان لها عرف كعرف الفرس ، وكان بين فكّيها أربعون ذراعا ، وابتلعت كل ما مرت به من الصخور والأشجار ، حتى سمع موسى صرير الحجر في فمها ، وجوفها ، وعيناها تتّقدان كالنار ، وهي تشتد رافعة رأسها فلما عاين موسى ذلك ولى هاربا منها .
قالَ
تعالى له :
خُذْها
يا موسى بيمينك ،
وَلا تَخَفْ
منها ،
سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى
( 21 ) أي سنعيدها بعد الأخذ إلى حالتها الأولى ، التي هي الهيئة العصوية . فلما قال له ربه
لا تَخَفْ
، ذهب خوفه حتى أدخل يده في فمها ، وأخذ بلحييها ، فعادت عصا كما كانت .
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ
أي أدخل كفك اليمنى في إبطك الأيسر وأخرجها ،
تَخْرُجْ بَيْضاءَ
أي متبرقة مثل البرق ، أو مشرقة تضيء كشعاع الشمس ، تغطي البصر عن الإدراك . ثم إذا ردّها إلى كفّه صارت إلى لونها الأول بلا نور ،
مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
أي من غير برص ،