تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
رجوعه إلى مكة ، ثم أقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي إلى الفرس ، وظهرت الروم على فارس عند رأس سبع سنين من مناحبتهم ، ومات كسرى وذلك يوم الحديبية ، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبيّ ، وجاء به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له : « تصدق به » - وكان ذلك قبل تحريم القمار - وهذه الآيات تدل على علم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بوقت الغلبة ، لكن لم يأذن اللّه تعالى في إظهاره ، لأن الكفار كانوا معاندين ، فالمعاند يرجف بوقوع الواقعة قبل الوقوع ليحصل الخلف في الكلام ، والوقت يمكن فيه الاختلاف . وقرئ « غلبت » على البناء للفاعل و « سيغلبون » على البناء للمفعول . والمعنى : أن الروم غلبت على ريف الشام وسيغلبهم المسلمون وقد غزاهم المسلمون في السنة التاسعة من نزولها ففتحوا بعض بلادهم ،
لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
أي من قبل غلبة الروم على فارس ومن بعدها فكل من كون الروم مغلوبين أولا وغالبين آخرا ، ليس إلا بأمر اللّه تعالى وقضائه .
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ( 4 ) بِنَصْرِ اللَّهِ
أي ويوم إذ يغلب الروم على فارس يفرح المؤمنون بتغليب اللّه من له كتاب على من لا كتاب له ، ويفرحون بغلبتهم المشركين ببدر . قال السدي : فرح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم بدر ، وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك . والجار والمجرور متعلق ب « يفرح »
يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ
أي ينصر من عباده على عدوه من ضعيف وقوي .
وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
( 5 ) أي وهو تعالى المبالغ في الغلبة والمبالغ في الرحمة
وَعْدَ اللَّهِ
مصدر مؤكد لنفسه ، أي وعدهم اللّه بالنصر وبالفرج وعدا ،
لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ
أيّ وعد كان مما يتعلق بالدنيا والآخرة لاستحالة الكذب عليه تعالى .
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
أهل مكة
لا يَعْلَمُونَ
( 6 ) وعده تعالى بنصرهم ووعد اللّه لا خلف فيه ،
يَعْلَمُونَ
أي أكثرهم
ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا
من زخارفها وملاذها وسائر أحوالها الموافقة لشهواتهم ، ولا يعلمون باطنها ، وهي مضارها ومتاعبها وفناؤها ،
وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
( 7 ) أي وهم جاهلون بأمر الآخرة تاركون لعملها ولا يعلمون أن الدنيا مجاز إلى الآخرة
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
! فلو تكفروا في أنفسهم لعلموا وحدانية اللّه ، وصدقوا بالحشر . أما دلالة الإنسان على الوحدانية ، فلأن اللّه خلقهم على أحسن تقويم ولنذكر من حسن خلقهم جزءا من ألف جزء ، وهو أن اللّه تعالى خلق للإنسان معدة فيها غذاؤه لتقوى به أعضاؤه ولها منفذان أحدهما لدخول الطعام فيه . والآخر : لخروجه منه ، فإذا دخل الطعام فيها انطبق المنفذ الآخر بعضه على بعض بحيث لا يخرج منه ذرة ، وتمسكه الماسكة إلى أن ينضج نضجا صالحا ، ثم يخرج من المنفذ الآخر ، وخلق تحت المعدة عروقا دقاقا ، صلابا كالمصفاة ، فينزل منها الصافي إلى الكبد ، وبنصب الثفل إلى الأمعاء ويكون مع الغذاء المتوجه من المعدة إلى الكبد فضل ماء مشروب ليرقق ، وينذرف في العروق الدقاق المذكورة ، وفي الكبد يستغنى عن ذلك الماء فيتميز