على الخطاب للمبالغة في الترهيب
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ
( 12 ) أي وقت رجعهم إليه تعالى يسكت المشركون متحيرين وييأسون من كل خير ،
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ
يجيرونهم من عذاب اللّه تعالى كما كانوا يزعمونه ،
وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ
( 13 ) أي وكان عبدة الأصنام بآلهتهم متبرئين منهم يقولون : واللّه ربنا ما كنا مشركين ،
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ
بعد تمام الحساب
يَتَفَرَّقُونَ
( 14 ) أي جميع الخلق فريقين : فريق في الجنة ، وفريق في السعير .
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
( 15 ) أي فهم في جنة يسرّون بكل مسرة .
وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه ذكر الجنة وما فيها من النعيم ، وفي آخر القوم أعرابي فقال : يا رسول اللّه هل في الجنة من سماع ؟ قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا أعرابي إن في الجنة نهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خوصانية يتغنين بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة »
« 1 » .
وروي أن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة فإذا أراد أهل الجنة السماع ، بعث اللّه تعالى ريحا تحت العرش فتقع في تلك الأشجار ، فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا .
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ
بالبعث بعد الموت
فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ
( 16 ) أي لا غيبة لهم عن العذاب ولا فتور له عنهم ، أما من يؤمن ويعمل السيئات فليس دائم الحضور في العذاب ، وليس من المحبورين غاية الحبور في رياض بل له منزلة بين المنزلتين ،
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ( 17 ) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ
( 18 ) أي نزهوه تعالى عن صفات النقص ، وصفوه بصفات الكمال في هذه الأوقات ، واحمدوه ؛ وإنما خصّ بعض الأوقات بالأمر بالتسبيح ، لأن الإنسان لا يمكنه أن يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح لكونه محتاجا إلى تحصيل مأكول ومشروب ، وملبوس ، ومركوب ، وكما أن العبد ينزه اللّه في أول النهار ، وآخره ، ووسطه فإن اللّه يطهره في أوله - وهو دنياه - وفي آخره - وهو عقباه - وفي وسطه - وهو حالة كونه في قبره - وقوله تعالى :
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
كلام معترضين بين المعطوف والمعطوف عليه وفيه لطيفة ، وهو أن اللّه تعالى لما أمر العباد بالتسبيح كأنه بيّن لهم أن تسبيحهم اللّه لنفعهم لا لنفع يعود على اللّه ، فعليهم أن يحمدوا اللّه إذا سبحوه ، ثم إن التنزيه المأمور به يشمل التنزيه بالقلب ، وهو الاعتقاد الجازم واللسان - وهو الذكر - الحسن ، وبالأركان - وهو العمل الصالح - فالإنسان إذا اعتقد شيئا ظهر من قلبه على لسانه ، وإذا قال ظهر صدقه في مقاله من أحواله ، وأفعاله ، واللسان ، ترجمان الجنان ، والأركان ، برهان اللسان ، لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان ، وهي مشتملة على الذكر باللسان ، والقصد بالجنان : وهو تنزيه في التحقيق ، فيجب حمل التسبيح على كل ما هو تنزيه ،
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في السنن الكبرى ( 4 : 291 ) .