تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
التقليب لمنافع الخلق وأن في بعثة الأنبياء إلى الخلق منافع عظيمة فقد ثبت أن هذه الكلمة كافية في إقامة الدلالة على تصحيح الأصول الثلاثة .
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
، أي واذكر لهم وقت نفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية ، فإذا سمع الخلق شدة صوت ذلك النفخ بحيث لا تتحمله طبائعهم يفزعون عنده ويموت كل من كان حيا ذلك الوقت لم يسبق له موت أو كان ميتا ، لكنه حي في قبره كالأنبياء والشهداء .
إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
أن لا يفزع . قيل : هم الشهداء يتقلدون أسيافهم حول العرش ، فإنهم أحياء عند ربهم لا يصل الفزع إليهم . وقيل : هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام . وقيل : الحور وخزنة النار وحملة العرش . وقيل : منهم موسى عليه السلام لأنه صعق مرة . وقال القشيري : والأنبياء داخلون في الشهداء لأن لهم الشهادة .
وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ
( 87 ) أي كل واحد من المبعوثين عند النفخة حضروا الموقف للسؤال والجواب ، والحساب ذليلين مطيعين . وقرأ حفص وحمزة « أتوه » بصيغة الفعل الماضي وهو بقصر الهمزة وفتح التاء . والباقون بصيغة اسم الفاعل فهو بمد الهمزة وضم التاء . وقرئ « أتاه » باعتباره لفظ كل .
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
أي وتبصر الجبال وقت النفخة تظنها ثابتة في أماكنها . والحال أنها تمرمر السحاب التي تسيّرها الرياح سيرا سريعا ، فسير الجبال يوم القيامة لا يرى لعظمها كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
أي صنع اللّه الذي أحسن خلقه ، وأتى به على الحكمة ذلك النفخ في الصور وما تفرغ منه من الأمور صنعا و « صنع » منصوب على أنه مصدر مؤكد لمضمون ما قبله ، أي فإن نفخ الصور المؤدي إلى الفزع العام وحضور الكل الموقف وما فعل بالجبال ، إنما هو من صنع اللّه لا يحتمل غيره
إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ
( 88 ) أي إنه تعالى عالم بما يعمله أهل السعادة والشقاوة من الخير والشر . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالتحتية على الغيبة . والباقون بالفوقية على الخطاب
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها
أي من جاء يوم القيامة بكلمة الشهادة فله من الجزاء ما هو خير منها ، باعتبار أن الثواب دائم ، وأنه من فعل اللّه ، وأنه حاصل من جهة اللّه تعالى ، فإن المعرفة النظرية الحاصلة في الدنيا جزاؤها المعرفة الضرورية الحاصلة في الآخرة ، ولذة النطر إلى وجه اللّه تعالى
وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ
( 89 ) . وقرأ الكوفيون « فزع » بالتنوين فحينئذ كان « يومئذ » ظرفا ل « آمنون » ، أو المحذوف هو صفة ل « فزع » أي والذين جاءوا بالحسنات آمنون من فزع كائن ، يوم إذ وقعت هذه الأحوال العظيمة ، وعلى هذا فالفزع على نوعين فزع من خوف العقاب ، وفزع شديد مفرط الشدة لخوف النار أما ما يلحق الإنسان من الرعب عند مشاهدة الأهوال فلا ينفك منه أحد . وقرأ الباقون بإضافة « فزع » ، وقرأ نافع والكوفيون بفتح الميم من « يومئذ » وهو فتحة بناء لإضافة « يوم » المبني .
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 185 | محمد أمين الضناوي / الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي