تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
من حديث أبي هريرة نحوه ، وفيه : فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع اللّه عليها رجله يقول لها قط قط ، قيل معنى القدم هنا القوم المتقدم إلى النار ، ومعنى الرجل العدد الكثير من الناس وغيرهم ، وفي الباب أحاديث ، ومذهب جمهور السلف فيها الإيمان بها من غير تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تحريف ولا تمثيل ، وإمرارها على ظاهرها ، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه ، قال القرطبي في تذكرته : باب ما جاء أن جهنم في الأرض وأن البحر طبقها . روي عن عبد اللّه بن عمر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا يركب البحر رجل إلا غاز أو حاج معتمر ، فإن تحت البحر نارا » « 1 » ذكره أبو عمرو وضعفه ، قال ابن عمر : لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم وضعفه أبو عمرو أيضا . ثم لما فرغ اللّه سبحانه من بيان حال الكافرين شرع في بيان حال المؤمنين فقال :
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ
أي : قربت وأدنيت
لِلْمُتَّقِينَ
الذين اتقوا الشرك تقريبا
غَيْرَ بَعِيدٍ
أو مكانا غير بعيد منهم ، بحيث يشاهدونها ويرونها في الموقف ، وينظرون ما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وقيل : المعنى أنها زينت لقلوبهم في الدنيا بالترغيب والترهيب فصارت قريبة من قلوبهم ، والأول أولى ، وقيل : يطوي اللّه المسافة التي بين المؤمن والجنة فهو التقريب ، وذلك إكراما للمؤمن وبيانا لشرفه وأنه ممن تمشي إليه وقيل : المراد قرب الدخول فيها لا بمعنى القرب المكاني ، وقيل : معنى أزلفت جمعت محاسنها لأنها مخلوقة ، أو أن المعنى قرب حصولها لأنها تنال بكلمة طيبة ، وخص المتقين بذلك لأنهم أحق بها .
هذا
إشارة إلى الجنة التي أزلفت لهم على معنى هذا الذي ترونه فنون نعيمها
ما تُوعَدُونَ
والجملة بتقدير القول أي يقال لهم : هذا ما توعدون قرأ الجمهور بالفوقية ، وقرىء بالتحتية
لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
هو بدل من المتقين بإعادة الخافض ، أو متعلق بقول محذوف هو حال ، أي مقولا لهم : لكل أواب ، والأواب الرجاع إلى طاعة اللّه تعالى بالتوبة عن المعاصي ، وقيل : هو المسبح ، وقيل : هو الذاكر للّه في الخلوة . قال الشعبي ومجاهد : هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر اللّه منها ، وقال عبيد بن عمير : هو الذي لا يجلس مجلسا حتى يستغفر اللّه فيه ، والحفيظ هو الحافظ حتى يثوب منها ، وقال قتادة : هو الحافظ لما استودعه اللّه من حقه ونعمته قال مجاهد وقيل : هو الحافظ لأمر اللّه ، وقال الضحاك : هو الحافظ لوصية اللّه له بالقبول ، قال ابن عباس : حفيظ ذنوبه حتى رجع عنها ، وقيل : حافظ لحدود اللّه .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الجهاد باب 9 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 404 | صديق الحسيني القنوجي البخاري