فقام إليهم المسلمون فأخذوهم ، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : هل جئتم في عهد أحد ؟ أو هل جعل لكم أمانا ؟ فقالوا : لا ، فخلى سبيلهم ، فنزلت هذه الآية » « 1 » .
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
يعني : كفار قريش
وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
أي عن الوصول إليه ، ومعنى الصد أنهم منعوهم أن يطوفوا بالمسجد الحرام ، ويحلوا عن عمرتهم
وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً
أي محبوسا ، قرأ الجمهور بنصب الهدي عطفا على الضمير المنصوب في صدوكم ، وقرىء عطف على المسجد ، ولا بد من تقدير مضاف ، أي عن نحر الهدي ، وقرىء بالرفع على تقدير وصد بالهدي ، وقرأ الجمهور بفتح الهاء من الهدي وسكون الدال ، وقرىء بكسرها وتشديد الياء ، وانتصاب معكوفا على الحال من الهدي ، قال الجوهري : عكفه أي حبسه ووقفه ، ومنه و
الْهَدْيَ مَعْكُوفاً
ومنه الاعتكاف في المسجد . وهو الاحتباس ، وعكف على الشيء أقبل عليه مواظبا ، وقال أبو عمرو بن العلاء ؛ معكوفا مجموعا . وأنكر الفارسي تعدية عكف بنفسه ، وأثبتها ابن سيده والأزهري وغيرهما ، وهو ظاهر القرآن لبناء اسم المفعول منه .
أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ
أي عن أن يبلغ محله ، أو مفعول لأجله ، والمعنى صدوا الهدي كراهة أن يبلغ محله ، ومحله منحره ، وهو حيث يحل نحره من الحرم ، أو هو بدل اشتمال من الهدي ، وكان الهدي سبعين بدنة ، وقال ابن عباس : نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة ، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها ، ورخص اللّه سبحانه لهم بجعل ذلك الموضع الذي وصلوا إليه وهو الحديبية محلا للنحر ، فلا ينتهض حجة للحنفية على أن مذبح هدي المحصر هو الحرم ، وللعلماء في هذا الكلام معروف في كتب الفروع .
وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ
يعني المستضعفين من المؤمنين بمكة
لَمْ تَعْلَمُوهُمْ
أي لم تعرفوهم ، وقيل : لم تعلموا أنهم مؤمنون
أَنْ تَطَؤُهُمْ
أي بالقتل ، والإيقاع بهم يقال : وطأت القوم أي أوقعت بهم ، وذلك أنهم لو كبسوا مكة وأخذوها عنوة بالسيف لم يتميز المؤمنون الذين هم فيها من الكفار ، وعند ذلك لا يأمنون أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفارة وتلحقهم سبة ، وهو معنى قوله :
فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ
أي من جهتهم
مَعَرَّةٌ
أي مشقة ، بما يلزمكم في قتلهم من كفارة وعيب ، وأصل المعرة العيب ، مأخوذ من العر وهو الجرب .
وذلك أن المشركين سيقولون : إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم ، قال الزجاج :
معرة أي إثم ، وكذا قال الجوهري ، وبه قال ابن زيد ، وقال الكلبي ومقاتل وغيرهما :
المعرة كفارة قتل الخطأ ، كما في قوله :
فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 87 .