وعن مجمع بن جارية الأنصاري قال : « شهدنا الحديبية فلما انصرفنا منها حتى بلغنا كراع الغميم إذ الناس يوجفون الأباعر ، فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس ؟
فقالوا : أوحي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على راحلته عند كراع الغميم ، فاجتمع الناس إليه فقرأ عليهم
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ،
فقال رجل : أي رسول اللّه أو فتح هو ؟ فقال : إي والذي نفس محمد بيده ، إنه لفتح ، فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية ، فقسمها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة منهم ثلاثمائة فارس ، فأعطى الفارس سهمين ، وأعطى الراجل سهما » « 1 » ، أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل وغيرهم .
وعن ابن مسعود قال : « أقبلنا من الحديبية مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فبينا نحن نسير إذا أتاه الوحي وكان إذا أتاه اشتد عليه فسري عنه ، وبه من السرور ما شاء اللّه فأخبرنا أنه أنزل عليه
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
« 2 » أخرجه أحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي وغيرهم وعن أنس في الآية قال الحديبية أخرجه البخاري وغيره .
وعن البراء قال : « تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية » « 3 » أخرجه البخاري وغيره .
وعن عائشة قالت : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
إِنَّا فَتَحْنا
الخ فتح مكة » أخرجه ابن مردويه وعن أنس نحوه ومذهب أبي حنيفة أن مكة فتحت عنوة ومذهب الشافعي أنها فتحت صلحا وفي البويطي أن أسفلها فتحه خالد عنوة وأعلاها فتحه الزبير صلحا ودخل صلّى اللّه عليه وسلّم من جهته فصار الحكم له وبهذا تجتمع الأخبار التي ظاهرها التعارض .
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
اللام هي لام العلة قال ابن الأنباري : سألت أبا العباس يعني المبرد عن اللام هذه فقال : هي لام كي معناها
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث واقع حسن معنى كي وغلط من قال ليس الفتح سبب المغفرة وقال الزمخشري : فإن قلت كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة قلت لم يجعل علة للمغفرة ولكنه علة لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة : وهي المغفرة ، وإتمام النعمة ، وهداية الصراط المستقيم ، والنصر العزيز ، كأنه قيل يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الجهاد باب 143 ، وأحمد في المسند 3 / 420 .
( 2 ) أخرجه البخاري في المغازي باب 35 ، وتفسير سورة 48 ، باب 1 ، وأبو داود في الجهاد باب 144 ، وأحمد في المسند 1 / 391 ، 464 .
( 3 ) أخرجه البخاري في المغازي باب 35 .