تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 1 إلى 6 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ( 1 ) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 2 ) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ( 3 ) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 4 ) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً ( 5 ) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ( 6 )
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وحده قيل المراد الحكم والقضاء كما في قوله :
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ
[ الأعراف : 89 ] ، فكأنه قال إنا قضينا وحكمنا لك فتحا ظاهرا واضحا مكشوفا بغير قتال ولا تعب ، والفتح الظفر بالبلدة ، عنوة أو صلحا بحرب أو غير حرب ، وبخراج أو بدونه لأنه مغلق . ما لم يظفر به فإذا ظفر به فقد فتح ، مأخوذ من فتح باب الدار ، وجيء به بلفظ الماضي لأن عادة اللّه في تحققها بمنزلة الكائنة ، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر عنه ، وهو الفتح ما لا يخفى ، وإسناده إلى نون العظمة لاستناد أفعال العباد إليه تعالى خلقا وإيجادا ، واختلف في تعيين هذا الفتح فقال الأكثر على ما في البخاري : هو صلح الحديبية ، والصلح قد يسمى فتحا قال الفراء : والفتح قد يكون صلحا ، وقال قوم : إنه فتح مكة ، وقال آخرون : إنه فتح خيبر ، والأول أرجح ، ويؤيده ما ذكرناه قبل هذا من أن السورة نزلت في شأن الحديبية . وقيل : هو جميع ما فتح اللّه لرسوله من الفتوح ، وقيل : هو ما فتح له من النبوة ، والدعوة إلى الإسلام ، وقيل : فتح الروم ، ومعنى الفتح في اللغة فتح المنغلق ، والصلح الذي كان مع المشركين بالحديبية كان مشدودا متعذرا ، حتى فتحه اللّه ، قال الزهري : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية ، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم ، فتمكن الاسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير ، وكثر بهم سواد الاسلام . قال الشعبي : لقد أصاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديبية ما لم يصب في غزوة ، غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وبويع بيعة الرضوان ، وأطعموا نخل خيبر ، وبلغ الهدي محله ، وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس ، وقال الزجاج : كان في فتح الحديبية آية عظيمة ، وذلك أنه نزح ماؤها ولم يبق فيها قطرة فتمضمض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم مجه في البئر فدرت بالماء حتى شرب جميع الناس .