تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
كذا قال ابن عباس يعني قد بعث اللّه قبلي كثيرا من الرسل ، وقيل البدع بمعنى البديع كالخف والخفيف ، والبديع ما لم ير له مثل من الابتداع وهو الاختراع ، وشيء بدع بالكسر أي مبتدع . وفلان بدع في هذا الأمر أي بديع كذا قال الأخفش ، وقرىء بدعا بفتح الدال مصدرا على تقدير حذف مضاف ، أي ما كنت ذا بدع قاله أبو البقاء . وقرىء بفتح الباء وكسر الدال على الوصف كحذر .
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي
فيما يستقبل من الزمان ، هل أبقى في مكة ؟ أو أخرج منها ؟ وهل أموت أو أقتل كما فعل بالأنبياء قبلي ؟ قرىء يفعل مبنيا للمفعول وللفاعل وما استفهامية كما جرى عليه المحلّي ، أو موصولة كما قال الزمخشري .
وَلا
أدري ما يفعل
بِكُمْ
يعني هل تعجل لكم العقوبة كالمكذبين قبلكم ؟ أم تمهلون وهذا إنما هو في الدنيا وأما في الآخرة فقد علم أنه وأمته في الجنة ، وأن الكافرين في النار ، وقيل إن المعنى ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة وأنها لما نزلت قدح المشركون ، وقالوا : كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بنا ؟ وأنه لا فضل له علينا ، فنزل قوله تعالى :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
[ الفتح : 2 ] ، والأول أولى . قال ابن عباس رضي اللّه عنه : « فأنزل اللّه تعالى بعد هذا
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
[ الفتح : 2 ] الخ ، وقوله :
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ
[ الفتح : 5 ] الآية فأعلم اللّه سبحانه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ما يفعل به وبالمؤمنين جميعا وارغم اللّه أنف الكفار وأخرج أبو داود في ناسخه أن هذه الآية منسوخة بقوله :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أم العلاء قالت : « لما مات عثمان بن مظعون رضي اللّه تعالى عنه قلت رحمك اللّه يا أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك اللّه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : وما يدريك أن اللّه أكرمه ؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه ، وإني لأرجو له الخير ، وما أدري وأنا رسول اللّه ما يفعل بي ولا بكم . قالت أم العلاء : فو اللّه لا أزكّي بعده أحدا » « 1 » .
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
قرأ الجمهور مبنيا للمفعول أي ما أتبع إلا القرآن ولا أبتدع من عندي شيئا والمعنى قصر أفعاله صلّى اللّه عليه وسلّم على الوحي ، لا قصر اتباعه على الوحي
وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
أي أنذركم عقاب اللّه وأخوفكم عذابه على وجه الإيضاح .

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 10 إلى 13 ]

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ( 11 ) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ( 12 ) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 13 )
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز باب 3 ، والشهادات باب 30 ، ومناقب الأنصار باب 46 ، والتعبير باب 13 ، وأحمد في المسند 6 / 436 .