الجنة والسابق الذي يعبده لا لسبب . وقيل : الظالم الذي يحب نفسه ، والمقتصد الذي يحب دينه ، والسابق : الذي يحب ربه ، وقيل : الظالم الذي ينتصف ولا ينصف ، والمقتصد : الذي ينصف وينتصف ، والسابق : الذي ينصف ولا ينتصف وقيل : الظالم هو المرجىء لأمر اللّه ، والمقتصد هو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا .
قال النسفي : وهنا التأويل يوافق التنزيل فإنه تعالى قال :
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ
[ التوبة : 100 ] الآية ، وقال بعده :
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ
[ التوبة :
102 ] الآية وقال بعده :
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ
[ التوبة : 106 ] انتهى .
وقال الربيع بن أنس : الظالم صاحب الكبائر ، والمقتصد صاحب الصغائر ، والسابق المجتنب لهما ، وسئل أبو يوسف عن هذه الآية فقال كلهم مؤمنون وأما صفة الكفار فبعد هذا . وهو قوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ
[ فاطر : 36 ] ، وأما الطبقات الثلاث فهم الذين اصطفى من عباده وهم أهل الإيمان وعليه الجمهور ، وقيل الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه والمقتصد الذي استوى ظاهره وباطنه ، والسابق الذي باطنه خير من ظاهره . وقيل : الظالم التالي للقرآن ولم يعمل به ، والمقتصد :
التالي له العلم به والسابق القارئ له العالم به العامل بما فيه .
وقد ذكر الثعلبي وغيره أقوالا كثيرة ولا شك أن المعاني اللغوية للظالم والمقتصد والسابق معروفة ، وهو يصدق الظلم للنفس بمجرد إحرامها للحظ وتفويت ما هو خير لها ، فتارك الاستكثار من الطاعات قد ظلم نفسه باعتبار ما فوقها من الثواب وإن كان قائما بما أوجب اللّه عليه تاركا لما نهاه عنه .
فهو من هذه الحيثية ممن اصطفاه اللّه ومن أهل الجنة فلا إشكال في الآية ، ومن هذا قول آدم عليه السلام
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
[ الأعراف : 23 ] وقول يونس
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
[ الأنبياء : 87 ] ومعنى المقتصد : هو من يتوسط في أمر الدين ، ولا يميل إلى جانب الإفراط ولا إلى جانب التفريط ، وهذا من أهل الجنة ، وأما السابق : فهو الذي سبق غيره في أمور الدين وهو خير الثلاثة ، وقد استشكل تقديم الظالم على المقتصد وتقديمهما على السابق مع كون المقتصد أفضل من الظالم لنفسه ، والسابق أفضل منهما فقيل : إن التقديم لا يقتضي التشريف كما في قوله :
لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ
[ الحشر : 20 ] ، ونحوها من الآيات القرآنية التي فيها تقديم أهل الشر على أهل الخير وتقديم المفضولين على الفاضلين .
وقيل : وجه التقديم هنا أن الظالمين كثير وأن المقتصدين بالنسبة إلى أهل المعاصي قليل والسابقين بالنسبة إلى الفريقين أقل قليل ، فقدم الأكثر على الأقل والأول أولى ، فإن الكثرة بمجردها لا تقتضي تقديم الذكر .