تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً
أي : وأحللنا لك امرأة مصدقة بالتوحيد ، وهذا يدل على أن الكافرة لا تحل له ، قال إمام الحرمين : وقد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه ، قال ابن العربي : والصحيح عندي تحريمها ، وبهذا يتميز علينا ، فإنه ما كان في جانب الفضائل والكرامات فحظه فيه أكثر ، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات ، وقصر هو صلّى اللّه عليه وسلم على المؤمنات ، ولهذا كان لا تحل له الكتابية الكافرة لنقصانها بالكفر ، انتهى . وأما تسرّيه بالأمة الكتابية فالأصح فيه الحل لأنه صلّى اللّه عليه وسلم استمتع بأمته ريحانه قبل أن تسلم كذا في المواهب وكانت يهودية من سبي قريظة ، ومما خص به أيضا أنه يحرم عليه نكاح الأمة ولو مسلمة لأن نكاحها معتبر بخوف العنت ، وهو معصوم ، وبفقدان مهر الحرة ونكاحه غني عن المهر ابتداء وانتهاء ، وبرق الولد ومنصبه صلّى اللّه عليه وسلم ينزه عنه كذا في الروض وشرحه .
إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ
أي ملكتك بضعها بأي عبارة كانت بغير صداق ، وأما من لم تكن مؤمنة فلا تحل لك بمجرد هبتها نفسها لك ، ولكن ليس ذلك بواجب عليك بحيث يلزمك قبول ذلك ، بل مقيدا بإرادتك فهي جملة شرطية لا تستلزم الوقوع ، ولهذا قال :
إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها
يقال نكح واستنكح مثل عجل واستعجل ، وعجب واستعجب . ويجوز أن يراد الاستنكاح بمعنى طلب النكاح أو طلب الوطء قاله القرطبي ، أي يصيرها منكوحة له ، ويتملك بضعها بتلك الهبة بلا مهر ، وذلك جار منه مجرى القبول . وحيث لم تكن الآية نصا في كون تملكيها بلفظ الهبة لم تصلح أن تكون مناطا للخلاف في انعقاد النكاح بلفظ الهبة ، وإيراده في الموضعين بعنوان النبوة بطريق الالتفات عن الخطاب للإيذان بأنها المناط لثبوت الحكم ؛ فيختص به كما ينطق به قوله الآتي :
خالِصَةً لَكَ
وقد قيل إنه لم ينكح النبي من الواهبات أنفسهن أحدا ، ولم يكن عنده منهن شيء ، قال قتادة : كانت عنده ميمونة بنت الحارث ، قال الشعبي : هي زينب بنت خزيمة الأنصارية أم المساكين ، وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل : هي أم شريك بنت جابر الأسدية ، وقال عروة بن الزبير وهي أم حكيم بنت الأوقص السلمية . أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في السنن عن عائشة قالت : التي وهبت نفسها للنبي صلّى اللّه عليه وسلم خولة بنت حكيم . وأخرج البخاري وغيره عن عروة : أن خولة بنت حكيم كانت من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » ، وعن محمد بن كعب وعمر بن الحكم وعبد اللّه بن عبيدة قالوا : تزوج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة ؛
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في النكاح باب 29 .