أمرهما جميعا إصابة فتنة لهم ، والفتنة هنا غير مقيدة بنوع من أنواع الفتن ، وقيل : هي القتل . وقيل : الزلازل . وقيل : تسلط سلطان جائر . وقيل : الطبع على قلوبهم .
وقيل : إسباغ النعم استدراجا ، أو محنة في الدنيا .
أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي : في الآخرة ، كما أن الفتنة التي حذرهم من إصابتها لهم هي في الدنيا ، وكلمة
أَوْ
لمنع الخلو ، قال القرطبي : احتج الفقهاء على أن الأمر للوجوب بهذه الآية ، ووجه ذلك أن اللّه سبحانه حذرهم من مخالفة أمره ، وتوعد بالعقاب عليها ، بقوله :
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
الآية ، فيجب امتثال أمره ، ويحرم مخالفته ، والآية تشمل كل من خالف أمر اللّه ، وأمر رسوله .
أَلا إِنَّ اللَّهَ
تنبيه على أن لا يخالفوا أمر من له
ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
من المخلوقات بأسرها فهي ملكه ، وخلقه وعبيده
قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ
أيها العباد من الأحوال التي أنتم عليها ، فيجازيكم بحسب ذلك ، ويعلم ههنا بمعنى علم ، وأدخل قد ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين الحق ، ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد .
وَيَوْمَ
أي ويعلم يوم
يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ
فيجازيهم فيه بما عملوا ، وفيه التفات عن الخطاب ، وتعليق علمه سبحانه بيوم الرجوع لا بنفس رجوعهم لزيادة تحقق علمه ، لأن العلم بوقت وقوع الشيء يستلزم العلم بوقوعه على أبلغ وجه
فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا
من الأعمال التي من جملتها مخالفة الأمر ، والظاهر من السياق أن هذا الوعيد للمنافقين .
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وغيرها ، عن عقبة بن عامر قال : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو يقرأ هذه الآية في خاتمة سورة النور ، وهو جاعل أصبعيه تحت عينيه . يقول : بكل شيء بصير ، أخرجه الطبراني وغيره . قال السيوطي بسند حسن .
تمّ الجزء الرابع ، ويليه الجزء الخامس وأوله : « تفسير سورة الفرقان »