قال المفسرون : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو لعذر لم يخرج حتى يقوم بحيال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حيث يراه فيعرف أنه إنما قام ليستأذن فيأذن لمن يشاء منهم قال مجاهد : وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده ، قال الزجاج : أعلم اللّه أن المؤمنين إذا كانوا مع نبيهم فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه وكذلك ينبغي أن يكونوا مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه في جمع من جموعهم إلا بإذنه ، وللإمام أن يأذن على ما يرى لقوله
فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ
قال العلماء : كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن .
ثم قال سبحانه مؤكدا على أسلوب أبلغ ومعظما لهذا الأمر .
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
فبين سبحانه أن المستأذنين هم المؤمنون باللّه ورسوله ، كما حكم أولا بأن المؤمنين الكاملي الإيمان هم الجامعون بين الإيمان بهما وبين الاستئذان وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك .
فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ
أي لأجل بعض الأمور التي يهمهم كما وقع لسيدنا عمر حين خرج مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة تبوك حيث استأذن الرسول في الرجوع إلى أهله فأذن له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال له : « ارجع فلست بمنافق »
فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ
فإنه يأذن لمن شاء منهم ويمنع من شاء على حسب ما تقتضيه المصلحة التي يراها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفيه رفع شأنه صلّى اللّه عليه وسلّم .
واستدل به على أن بعض الأحكام مفوض إلى رأيه ومن منع ذلك قيد المشيئة بأن تكون تابعة لعلمه بصدقه ، أي فأذن لمن علمت أن له عذرا ، ثم أرشده اللّه سبحانه إلى الاستغفار لهم فقال :
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ
بعد الإذن فيه إشارة إلى أن الاستئذان وإن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة ، لأن اغتنام مجالسه أولى من الاستئذان
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أي كثير المغفرة لفرطات العباد والرحمة بالتيسير عليهم ، بالغ فيهما إلى الغاية التي ليس وراءها غاية .
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً
مستأنفة مقررة لما قبلها أي لا تجعلوا دعوته إياكم كالدعاء من بعضكم لبعض في التساهل في بعض الأحوال عن الإجابة بل أجيبوه فورا وإن كنتم في الصلاة أو الرجوع بغير استئذان أو رفع الصوت وقال سعيد بن جبير ومجاهد : المعنى قولوا يا رسول اللّه برفق ولين ولا تقولوا يا محمد بتجهم وعلى هذا جماعة كثيرة وقال قتادة : أمرهم أن يشرفوه ويفخموه ، وقيل المعنى لا تتعرضوا لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه فإن دعوته موجبة .