وقيل : المعنى يجب عليكم المبادرة لأمره ، واختاره أبو العباس ، ويؤيده قوله :
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
وقيل معناه لا تجعلوا دعاء الرسول ربه مثل ما يدعو صغيركم ، وكبيركم وفقيركم ، وغنيكم ، يسأله حاجة ، فربما تجاب دعوته وربما لا تجاب فإن دعوات الرسول مسموعة مستجابة ، وعن سعيد بن جبير في الآية قال : يعني كدعاء أحدكم إذا دعا أخاه باسمه ، ولكن وقروه ، وقولوا له : يا رسول اللّه ؛ يا نبي اللّه ، قال : لا تصيحوا به من بعيد : يا أبا القاسم ! ! ولكن كما قال اللّه في الحجرات :
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ
[ الحجرات : 3 ] ، والأول أولى .
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً
أي : يخرجون وينسلون من المسجد في الخطبة واحدا بعد واحد ، من غير استئذان ، خفية مستترين بشيء ، و
قَدْ
للتحقيق ، والتسلل : الخروج من البين في خفية . يقال : تسلل فلان من بين أصحابه ، إذا خرج من بينهم ، واللواذ من الملاوذة ، وهو أن تستتر بشيء مخافة من يراك ؛ وأصله أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا واللوذ ما يطيف بالجبل ، وقيل اللواذ الروغان من شيء إلى شيء في خفية ، أي متلاوذين ، يلوذ بعضهم ببعض ، وينضم إليه ، وقيل :
يلوذون لواذا ، وقرىء : لواذ بفتح اللام .
وفي الآية بيان ما كان يقع من المنافقين ، فإنهم كانوا يتسللون عن صلاة الجمعة متلاوذين ينضم بعضهم إلى بعض استتارا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد كان يوم الجمعة أثقل يوم على المنافقين لما يرون من الاجتماع للصلاة والخطبة ، فكانوا يفرون عن الحضور ويتسللون في خفية ، ويستتر بعضهم ببعض ، وينضم إليه وقيل اللواذ الفرار من الجهاد ، وبه قال الحسن عن مقاتل قال : كان لا يخرج أحد لرعاف أو إحداث حتى يستأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام ، فيأذن له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يشير إليه بيده . وكان من المنافقين من يثقل عليه الخطبة ، والجلوس في المسجد فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه يستتر به حتى يخرج ، فأنزل اللّه هذه الآية ، أخرجه أبو داود في مراسيله .
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي :
يخالفون أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بترك العمل بمقتضاه ، ويذهبون سمتا خلاف سمته ، وعدّي فعل المخالفة بعن ، مع كونه متعديا بنفسه لتضمينه ، معنى الإعراض ، أو الصد . وقيل الضمير للّه سبحانه لأن الآمر بالحقيقة . قال أبو عبيدة والأخفش
عَنْ
زائدة هنا ، وقال الخليل وسيبويه : ليست بزائدة ، بل هي بمعنى : بعد كقوله :
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
[ الكهف : 50 ] ، أي : بعد أمر ربه ، والأولى ما ذكرناه من التضمين .
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
أي : فليحذر المخالفون عن أمر اللّه ، أو أمر رسوله ، أو