والطعام هو أفضل الأموال ، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد ، فكف الناس عن ذلك ، فأنزل اللّه
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ
، إلى قوله :
أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ
وهو الرجل يوكل الرجل بضيعته . والذي رخص اللّه أن يأكل من ذلك الطعام والتمر وشرب اللبن وكانوا أيضا يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره ، فرخص اللّه لهم فقال ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا .
وعن الضحاك قال : كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا مريض ، ولا أعرج ، لا يستطيع المزاحمة على الطعام فنزلت رخصة في مؤاكلتهم ، وعن الزهري أنه سئل عن قوله :
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ
، ما بال الأعمى والأعرج والمريض ذكروا هنا ؟ فقال : أخبرني عبيد اللّه بن عبد اللّه أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ، يقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا ، وكانوا يتحرجون من ذلك ، يقولون لا ندخلها ، وهم غيّب ، فأنزل اللّه هذه الآية رخصة لهم .
وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ
أي عليكم ، وعلى من يماثلكم من المؤمنين ، وهذا ابتداء كلام مستأنف ، أي ولا عليكم أيها الناس ، والحاصل أن رفع الحرج عن الأعمى والأعرج ، والمريض . إن كان باعتبار مؤاكلة الأصحاء ، أو دخول بيوتهم ، فيكون ولا على أنفسكم متصلا بما قبله ، وإن كان رفع الحرج عن أولئك باعتبار التكاليف التي يشترط فيها وجود البصر ، وعدم العرج . وعدم المرض ، فقوله :
وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ
، ابتداء كلام غير متصل بما قبله .
أَنْ تَأْكُلُوا
أنتم ومن معكم
مِنْ بُيُوتِكُمْ
أي البيوت التي فيها متاعكم ، وأهلكم ، فيدخل بيوت الأولاد ، وكذا قال المفسرون لأنها داخلة في بيوتهم ، لكون بيت ابن الرجل بيته ، فلذا لم يذكر سبحانه بيوت الأولاد وذكر بيوت الآباء ، وبيوت الأمهات ومن بعدهم . قال النحاس ، وعارض بعضهم هذا ، فقال : هذا تحكم على كتاب اللّه سبحانه ، بل الأولى في الظاهر أن يكون الابن مخالفا لهؤلاء ، ويجاب عن هذه المعارضة ، بأن رتبة الأولاد بالنسبة إلى الآباء ، لا تنقص عن رتبة الآباء بالنسبة إلى الأولاد ، بل للآباء خصوصية في أموال الأولاد ، لحديث : « أنت ومالك لأبيك » « 1 » ، وحديث : « ولد الرجل من كسبه » « 2 » .
وقد ذكر سبحانه بيوت الإخوة والأخوات ، بل بيوت الأعمام والعمات بل بيوت الأخوال والخالات ، فكيف ينفي سبحانه الحرج عن الأكل من بيوت هؤلاء ، ولا ينفيه عن
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في التجارات باب 64 ، وأحمد في المسند 2 / 179 ، 204 ، 214 .
( 2 ) أخرجه أبو داود في البيوع باب 77 ، وأحمد في المسند 6 / 173 ، 202 .