وبالثاني جماعة ، قيل إن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ، ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا ، وكانوا يتحرجون من ذلك . وقالوا : لا ندخلها وهم غيب ، فنزلت هذه الآية رخصة لهم ، فمعنى الآية نفي الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيوت أقاربهم ، أو بيوت من يدفع إليهم المفتاح ، إذا خرج للغزو قال النحاس : وهذا القول من أجل ما روي في الآية لما فيه عن الصحابة والتابعين من التوقيف ، وقيل : إن هؤلاء المذكورين كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء ، حذارا من استقذارهم إياهم ، وخوفا من تأذيهم بأفعالهم فنزلت .
وقيل : إن اللّه رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر ، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به القدرة الكاملة على المشي على وجه يتعذر الإتيان به مع العرج ، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه ، وقيل ؛ المراد بهذا الحرج المدفوع عن هؤلاء ، هو الحرج في الغزو أي لا حرج على هؤلاء في تأخرهم عن الغزو ، وقيل : كان الرجل إذا أدخل أحدا من هؤلاء الزمنى إلى بيته ، فلم يجد شيئا يطعمهم إياه ذهب بهم إلى بيوت قرابته فيتحرج الزمنى من ذلك فنزلت .
وعن سعيد بن جبير قال : لما نزلت
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
[ النساء : 29 ] : قالت الأنصار : ما بالمدينة مال أعز من الطعام ؟ كانوا يتحرجون أن يأكلوا مع الأعمى ، يقولون : إنه لا يبصر موضع الطعام ، وكانوا يتحرجون الأكل مع الأعرج ، يقولون : إن الصحيح يسبقه إلى المكان ، ولا يستطيع أن يزاحم . ويتحرجون الأكل مع المريض ، يقولون لا يستطيع أن يأكل مثل الصحيح ، وكانوا يتحرجون أن يأكلوا في بيوت أقاربهم ، فنزلت ليس على الأعمى ، يعني في الأكل مع الأعمى وعن مقسم نحوه .
وعن مجاهد قال : كان الرجل يذهب بالأعمى ، أو الأعرج ، أو المريض إلى بيت أمه أو بيت أخيه أو بيت عمه أو بيت عمته أو بيت خاله ، أو بيت خالته فكان الزمنى يتحرجون من ذلك يقولون : إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم ، فنزلت هذه الآية رخصة لهم ، وعن عائشة قالت : كان المسلمون يرغبون في النفير مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيدفعون مفاتيحهم إلى زمناهم ، ويقولون لهم : قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما احتجتم إليه ، فكانوا يقولون : إنه لا يحل لنا أن نأكل إنهم أذنوا لنا من غير طيب نفس ، وإنما نحن زمنى ، فأنزل اللّه :
وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا
إلى قوله :
أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ
كما سيأتي .
وعن ابن عباس قال : لما نزلت
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
[ النساء : 29 ] قال المسلمون : إن اللّه قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ،