حكمه كائنة من جملة الجواب ، والمراد بالتمكين هنا التثبيت والتقرير أي يجعله اللّه ثابتا مقررا ويوسع لهم في البلاد ليملكوها ويظهر دينهم على جميع الأديان ، والمراد بالدين هنا الإسلام كما في قوله :
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
[ المائدة : 3 ] ، ذكر سبحانه وتعالى الاستخلاف لهم أولا وهو جعلهم ملوكا ، وذكر التمكين ثانيا فأفاد ذلك أن هذا الملك ليس على وجه العروض والطروّ بل على وجه الاستقرار والثبوت بحيث يكون الملك لهم ولعقبهم من بعدهم .
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
معطوفة على التي قبلها وقرىء من أبدل ومن بدل وهما لغتان وزيادة البناء تدل على زيادة المعنى فقراءة التشديد أرجح من التخفيف ، وزعم ثعلب أن بينهما فرقا ، وأنه يقال بدلته أي غيرته وأبدلته أزلته وجعلت غيره مكانه قال النحاس : وهذا القول صحيح والمعنى أنه سبحانه يجعل لهم مكان ما كانوا فيه من الخوف من الأعداء أمنا ويذهب عنهم أسباب الخوف الذي كانوا فيه بحيث لا يخشون إلا اللّه سبحانه ولا يرجون غيره .
وقد كان المسلمون قبل الهجرة وبعدها بقليل في خوف شديد من المشركين ، لا يخرجون إلا في السلاح ، ولا يمسون ولا يصبحون إلى علي ترقب لنزول المضرة بهم من الكفار ، ثم صاروا في غاية الأمن ، والدعة وأذل اللّه لهم شياطين المشركين وفتح عليهم البلاد ومهد لهم في الأرض ومكنهم منها فللّه الحمد .
وعن البراء قال : فينا نزلت ونحن في خوف شديد ، وعن أبي العالية قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى اللّه وحده وإلى عبادته وحده لا شريك له سرا وهم خائفون ، ولا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة ، فقدموا المدينة فأمرهم اللّه بالقتال وكانوا بها خائفين ، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح ، فغبروا بذلك ما شاء اللّه ، ثم إن رجلا من أصحابه قال : يا رسول اللّه ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم : « لن تغبروا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم حديدة » فأنزل اللّه وعد اللّه الذين آمنوا إلى آخر الآية فأظهر اللّه نبيه على جزيرة العرب فأمنوا ووضعوا السلاح .
ثم إن اللّه قبض نبيه فكانوا كذلك آمنين في زمان أبي بكر وعمر وعثمان رضي اللّه تعالى عنهم . حتى وقعوا فيما وقعوا وكفروا النعمة فأدخل اللّه عليهم الخوف الذي كان رفع عنهم واتخذوا الحجر والشرط وغيروا فغير ما بهم .
وعن أبيّ بن كعب قال : لما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا