تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 608

مساهمون:

ص٦٠٨
مطيعين منقادين لحكمه طلبا لحقهم ، لا رضاء بحكم رسولهم . قال الزجاج : الإذعان الإسراع مع الطاعة ، يقال : أذعن لي بحقي ، أي طاوعني لما كنت ألتمس منه ، وصار يسرع إليه ، وبه قال مجاهد . وقال الأخفش وابن الأعرابي : مذعنين مقرين وقال النقاش : خاضعين . والمعنى أنهم لمعرفتهم أنه ليس معك إلا الحق المر ، والعدل البحت ، يمتنعون عن المحاكمة إليك ، إذا ركبهم الحق ، لئلا تنتزعه من أحداقهم ، بقضائك عليهم لخصومهم ، وإن ثبت لهم الحق على خصم أسرعوا إليك ، ولم يرضوا إلا بحكومتك لتأخذ لهم ما وجب لهم في ذمة الخصم . ثم قسّم الأمر في إعراضهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم فقال :
أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
هذه الهمزة للتوبيخ والتقريع لهم ، والمرض النفاق أي أكان هذا الاعراض منهم بسبب النفاق الكائن في قلوبهم وقيل مرض أي كفر وميل إلى الظلم
أَمِ ارْتابُوا
وشكوا في أمر نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعدله في الحكم ، أو رأوا منه تهمة فزال ثقتهم ويقينهم به .
أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ
في الحكومة ، والحيف الميل في الحكم يقال حاف في قضيته أي جار فيما حكم به ، ثم أضرب عن ضرب هذه الأمور التي صدرها بالاستفهام الإنكاري فقال :
بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
أي ليس ذلك لشيء مما ذكر بل لعنادهم وظلمهم فإنه لو كان الإعراض لشيء مما ذكر لما أتوا إليه مذعنين إذا كان الحق لهم . وقيل إضراب عن القسمين الأخيرين ، لتحقق القسم الأول . ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم ، والثاني إما أن يكون محققا عندهم ، أو متوقعا ، وكلاهما باطل لأن منصب نبوته ، وفرط أمانته صلّى اللّه عليه وآله وسلم يمنعه ، فتعين الأول . وظلمهم يعم خلل عقيدتهم ، وميل نفوسهم إلى الحيف . وضمير الفصل لنفي ذلك عن غيرهم ، سيما المدعو إلى حكمه . قاله البيضاوي . وفي هذه الآية دليل على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم اللّه العادل في حكمه لأن العلماء ورثة الأنبياء ، والحكم من قضاة الاسلام العالمين بحكم اللّه العارفين بالكتاب والسنة العادلين في القضاء ، هو حكم بحكم اللّه ورسوله ، الداعي إلى التحاكم إليهم قد دعا إلى اللّه وإلى رسوله أي إلى حكمهما . قال ابن خواز منداد : واجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق قال القرطبي : في هذه الآية دليل على وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم لأن اللّه سبحانه ذم من دعي إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه ، فأعرض بأقبح ذم ، فقال :
أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
الآية انتهى فإن كان القاضي مقصرا لا يعلم بأحكام