تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 605

مساهمون:

ص٦٠٥
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
أي : يعاقب بينهما ، فيأتي بالليل ، ويذهب بالنهار ، ويأتي بالنهار ، ويذهب بالليل . وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قال اللّه تعالى : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر ، وأنا الدهر ، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار » « 1 » أخرجه البخاري ومسلم . وقيل يزيد في أحدهما ، وينقص الآخر . وقيل يقلبهما باختلاف ما يقدره فيهما من خير وشر ، ونفع وضر . وقيل بالحر والبرد ، وقيل المراد بذلك تغيير النهار بظلمة السحاب مرة ، وبضوء الشمس أخرى . تغيير الليل بظلمة السحاب تارة ، وبضوء القمر أخرى .
إِنَّ فِي ذلِكَ
إشارة إلى ما تقدم من إزاء السحاب ، وإنزال الودق والبرد ، وتقليب الجديدين
لَعِبْرَةً
أي لدلالة واضحة يكون بها الاعتبار
لِأُولِي الْأَبْصارِ
أي لكل من له بصر يبصر به ، فهي براهين لائحة على جوده ، ودلائل واضحة على صفاته ، لمن نظر وتدبر ، ثم ذكر سبحانه دليلا ثالثا من عجائب خلق الحيوان ، وبديع صنعته فقال :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ
وقرىء : خالق ، والمعنيان صحيحان ، والدابة كل ما دب على الأرض من الحيوان . يقال دب يدب فهو دابّ ، والهاء للمبالغة ، ومعنى
مِنْ ماءٍ
من نطفة ، وهي المني ، كذا قال الجمهور ، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة فمنها هوام ، ومنها بهائم ، وقال جماعة : إن المراد الماء المعروف لأن آدم خلق من الماء والطين . قيل وخلق كل دابة من نطفة ، إنما هو بحسب الأغلب في خلق حيوانات الأرض المشاهدة ، وإلا فالملائكة خلقوا من نور ، وهم أكثر المخلوقات عددا ، والجانّ خلقوا من نار ، وهم بقدر تسعة أعشار الإنس . كما قيل ، وآدم خلق من الطين ، وعيسى من الريح ، التي نفخها جبريل ، في جيب مريم ، وخلق الدود من نحو الفاكهة ، والعفونات ، ثم فصل سبحانه أحوال كل دابة فقال :
فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ
وهي الحيات ، والهوام ، والحوت والدود ، ونحو ذلك ، وسمي الزحف على البطن مشيا ، استعارة ، كما استعير المشفر للشفة ، وبالعكس . كما يقال في الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر ، وفلان ما يمشي له أمر ، أو على طريق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين
وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ
وهم الإنسان والطير والنعام .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 45 ، باب 1 ، والتوحيد باب 45 ، ومسلم في الألفاظ حديث 2 ، 3 ، وأبو داود في الأدب باب 169 ، وأحمد في المسند 2 / 238 ، 272 .