تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
وفي هذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحاصلها إنه إن لم يؤمن به هؤلاء الجهال الذين لا علم عندهم ولا معرفة بكتب اللّه ولا بأنبيائه فلا تبال بذلك فقد آمن به أهل العلم وخشعوا له وخضعوا له عند تلاوته عليهم خضوعا ظهر أثره البالغ بكونهم يخرون على أذقانهم سجدا للّه .
وَيَقُولُونَ
في سجودهم
سُبْحانَ رَبِّنا
أي تنزيها لربنا عما يقوله الجاهلون من التكذيب أو تنزيها له عن خلف وعده
إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا
إن هذه هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة
وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ
كرر ذلك الخرور للأذقان لاختلاف السبب فإن الأول لتعظيم اللّه سبحانه وتنزيهه وللسجود والثاني للبكاء بتأثير مواعظ القرآن في قلوبهم ومزيد خشوعهم ولهذا قال
وَيَزِيدُهُمْ
أي سماع القرآن أو القرآن بسماعهم له أو البكاء أو السجود أو المتلو لدلالة قوله إذا يتلى
خُشُوعاً
أي لين قلب ورطوبة عين فالبكاء مستحب عند قراءة القرآن . عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم « لا يلج النار رجل بكى من خشية اللّه حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل اللّه ودخان جهنم » « 1 » أخرجه الترمذي والنسائي . وعن ابن عباس قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية اللّه وعين باتت تحرس في سبيل اللّه » « 2 » أخرجه الترمذي . ثم أراد سبحانه أن يعلم عباده كيفية الدعاء والخشوع فقال
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
ومعناه أنهما مستويان في جواز الإطلاق وحسن الدعاء بهما ولهذا قال
أَيًّا ما تَدْعُوا
أصل الكلام أيا ما تدعوا فهو حسن فوضع موضعه قوله
فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
للمبالغة وللدلالة على أنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان ، ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام ذكر معنى هذا النيسابوري وتبعه أبو السعود . قال الزجاج : أعلمهم اللّه أن دعاءهم اللّه ودعاءهم الرحمن يرجعان إلى قول واحد وسيأتي ذكر سبب نزول الآية وبه يتضح المراد منها ، والحسنى مؤنث الأحسن الذي هو أفعل تفضيل لا مؤنث أحسن المقابل لامرأة حسناء كما في القاموس ، عن ابن عباس قال : صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم بمكة ذات يوم فقال في دعائه : يا اللّه يا رحمن فقال المشركون : انظروا إلى هذا الصابىء ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين فأنزل اللّه هذه الآية .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد ، باب 8 ، والنسائي في الجهاد باب 8 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد باب 12 .