تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
فالمتبعون لعيسى بأي وجه من تلك الوجوه هم المجعولون فوق من كان كافرا بأي تلك الأنواع . ثم بعد البعثة المحمدية لا شك أن المسلمين هم المتبعون لعيسى لإقراره بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وتبشيره بها كما في القرآن الكريم والإنجيل ، بل في الإنجيل الأمر لاتباع عيسى باتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . فالمتبعون لعيسى بعد البعثة المحمدية هم المسلمون في أمر الدين ، ومن بقي على النصرانية بعد البعثة المحمدية فهو وإن لم يكن متبعا لعيسى في أمر الدين ومعظمه ، لكنه متبع له في الصورة وفي الاسم وفي جزئيات من أجزاء الشريعة العيسوية ، فقد صدق عليهم أنهم متبعون له في الصورة وفي الاسم ، وفي شيء مما جاء به ، وإن كانوا على ضلال ووبال وكفر ، فذلك لا يوجب خروجهم عن العموم المذكور في القرآن الكريم . ولا يستلزم اندراجهم تحت هذا العموم أنهم على شيء ، بل هو هالكون في الآخرة وإن كانوا مجعولين فوق الذين كفروا ، فذلك إنما هو في هذه الدار ، ولهذا يقول اللّه جل وعلا بعد قوله :
وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ
الآية
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
[ آل عمران : 55 ] إلى قوله :
لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
[ آل عمران : 57 ] . فالحاصل أن المجعولين فوق الذين كفروا هم أتباع عيسى قبل النبوة المحمدية ، وهم النصارى والحواريون ، وبعد النبوة المحمدية هم المسلمون والنصارى والحواريون ، والأولون هم الأتباع حقيقة ، وغيرهم هم الأتباع في الصورة ، وقد جعل اللّه الجميع فوق الذين كفروا من اليهود وسائر الطوائف الكفرية . وقد كان الواقع هكذا فإن الملة النصرانية قبل البعثة المحمدية كانت قاهرة لجميع الملل الكفرية ظاهرة عليها ، غالبة لها ، وبعد البعثة المحمدية صارت جميع الأمم الكفرية نهبى بين الملة الإسلامية والملة النصرانية ما بين قتيل وأسير ومسلم للجزية وهذا يعرفه كل من له إلمام بأخبار العالم . ولكن اللّه تعالى جعل الملة الإسلامية قاهرة للملة النصرانية مستظهرة عليها . وفاء بوعده في كتابه العزيز كما في الآيات المشتملة على الأخبار بأن جنده هم الغالبون ، وحزبه هم المنصورون ، ومن ذلك قوله تعالى :
فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ
[ الصف : 14 ]
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقون : 8 ]
وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
[ النساء : 141 ] . وقد أخبر الصادق المصدوق بظهور أمته على جميع الأمم وقهر ملته لجميع الأمم . وبالجملة إنا إذا جردنا النظر إلى الملة الإسلامية والملة النصرانية فقد ثبت في