وفيه أن قوله
وَيَذَرُونَ أَزْواجاً
لا يلائم ذلك التقدير لأن الظاهر من النكرة المعادة المغايرة ، وقال بعض النحاة من الكوفيين : إن الخبر عن الذين متروك والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهم يتربصن .
وأصل التوفي أخذ الشيء وافيا فمن مات فقد استوفى عمره كاملا ، يقال توفي فلان يعني قبض وأخذ ، والخطاب لكافة الناس بطريق التلوين والمراد بالأزواج هنا النساء لأن العرب تطلق اسم الزوج على الرجل والمرأة .
والمعنى الذين يموتون ويتركون النساء ينتظرن بأنفسهن قدر هذه المدة .
ووجه الحكمة في جعل العدة للوفاة هذا المقدار أن الجنين الذكر يتحرك في الغالب لثلاثة أشهر والأنثى لأربعة فزاد اللّه سبحانه على ذلك عشرا لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة فتتأخر حركته قليلا ، ولا يتأخر عن هذا الأجل .
وظاهر هذه الآية العموم وإن كان من مات عنها زوجها تكون عدتها هذه العدة ولكنه قد خصص هذا العموم قوله تعالى :
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
[ الطلاق : 4 ] وإلى هذا ذهب الجمهور ، وروي عن بعض الصحابة وجماعة من أهل العلم أن الحامل تعتد بآخر الأجلين جمعا بين العام والخاص وإعمالا لهما .
والحق ما قاله الجمهور ، والجمع بين العام والخاص على هذه الصفة لا يناسب قوانين اللغة ولا قوانين الشرع ، ولا معنى لإخراج الخاص من بين أفراد العام إلا بأن حكمه مغاير لحكم العام ومخالف له .
وقد صح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه أذن لسبيعة الأسلمية أن تتزوج بعد الوضع .
والتربّص التأني والتصبّر عن النكاح ، وظاهر الآية عدم الفرق بين الصغيرة والكبيرة والحرة والأمة وذات الحيض والآيسة وأن عدتهن جميعا للوفاة أربعة أشهر وعشر ، وقيل إن عدة الأمة نصف عدة الحرة شهران وخمسة أيام قال ابن العربي : إجماعا إلا ما يحكى عن الأصم فإنه سوّى بين الحرة والأمة ، وقال الباجي : ولا نعلم في ذلك خلافا إلا ما يروى عن ابن سيرين أنه قال : عدتها عدة الحرة وليس بالثابت عنه .
ووجه ما ذهب إليه الأصم وابن سيرين ما في هذه الآية من العموم .
ووجه ما ذهب إليه من عداهما قياس عدة الوفاة على الحد فإنه ينصف للأمة بقوله سبحانه :
فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ
[ النساء : 25 ] وقد تقدم حديث « طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان » « 1 » وهو صالح للاحتجاج به ، وليس المراد منه إلا
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الطلاق باب 6 ، والترمذي في الطلاق باب 7 ، وابن ماجة في الطلاق باب 30 ، ومالك في الطلاق حديث 69 ، 91 ، وأحمد في المسند 6 / 117 .