أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ
[ المائدة : 5 ] وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة : لا يحل ذلك ، والحجة فيه أنهم إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير اللّه فوجب أن يحرم ، وروي عن علي أنه قال : إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير اللّه فلا تأكلوا وإذا لم تسمعوهم فكلوا ، فإن اللّه قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون .
فَمَنِ اضْطُرَّ
إلى شيء من هذه المحرمات ، والمضطر هو المكلف بالشيء الملجأ إليه المكره عليه والمراد هنا من خاف التلف ، والمضطر إما بإكراه فيبيح ذلك إلى زوال الإكراه ، أو يجوع في مخمصة ، فإن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها ، وإن كانت نادرة فقال الشافعي : يأكل ما يسد به الرمق ، وبه قال أبو حنيفة أو يأكل قدر الشبع ، وبه قال مالك ، فأكل
غَيْرَ باغٍ
بالاستئثار على مضطر آخر أو على الوالي وأصل البغي الفساد
وَلا عادٍ
اسم فاعل أصله من العدوان وهو الظلم ومجاوزة الحد ، والمراد بالباغي من يأكل فوق حاجته ، والعادي من يأكل هذه المحرمات وهو يجد عنها مندوحة وبلغة ، وقال ابن عباس : باغ في الميتة وعاد في الأكل وقيل غير باغ على المسلمين ولا معتد عليهم ، فيدخل في الباغي والعادي قاطع السبيل والخارج على السلطان والمفارق للجماعة والأئمة ، والمفسد في الأرض وقاطع الرحم ، وقيل المراد غير باغ على مضطر آخر ولا عاد لسد الجوعة ، قاله سعيد بن جبير .
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
في تناوله ولا حرج ، ومن أكله وهو غير مضطر فقد بغى واعتدى
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
لمن أكل من الحرام
رَحِيمٌ
به إذ أحل له الحرام في الاضطرار .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 174 إلى 175 ]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 )
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ
المراد بهذه الآية علماء اليهود لأنهم كتموا ما أنزل اللّه في التوراة من صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ونعته ووقت نبوته ، هذا قول المفسرين ، وقال المتكلمون بل كانوا يكتمون التأويل ، والمعنى يكتمون معاني ما أنزل اللّه من الكتاب ، والأول أولى
وَيَشْتَرُونَ بِهِ
أي بالكتمان أو بما أنزل اللّه من الكتاب ، والأول أظهر ، والاشتراء هنا الاستبدال ، وقد تقدم تحقيقه
ثَمَناً قَلِيلًا
سماه قليلا لانقطاع مدته وسوء عاقبته ، وهذا السبب وإن كان خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وهو يشمل كل من كتم ما شرعه اللّه وأخذ عليه الرشا .
أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ
ذكر البطون دلالة وتأكيدا على أن هذا الأكل حقيقة ، إذ قد يستعمل مجازا في مثل أكل فلان أرضي ونحوه ، وقال في الكشاف معناه ملء بطونهم ظرف متعلق بما قبله لا حال مقدرة كما قال الكواشي
إِلَّا النَّارَ