تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
القرطبي بالإجماع ، وقد روت عائشة أنها كانت تطبخ اللحم فتعلو الصفرة على البرمة من الدم ، فيأكل ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولا ينكره . وأما لحم الخنزير فظاهر هذه الآية والآية الأخرى أعني قوله تعالى :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ
[ الأنعام : 145 ] أن المحرم إنما هو اللحم فقط ، وقد أجمعت الأمة على تحريم شحمه كما حكاه القرطبي في تفسيره ، وقد ذكرت جماعة من أهل العلم أن اللحم يدخل تحته الشحم ، وحكى القرطبي الإجماع أيضا على أن جملة الخنزير محرمة إلا الشعر فإنه تجوز الخرازة به ، وقيل : أراد بلحمه جميع أجزائه ، وإنما خص اللحم بالذكر لأنه المقصود لذاته بالأكل ، واختلفوا في نجاسته فقال الجمهور أنه نجس وقال مالك أنه طاهر وكذا كل حيوان عنده ، لأن علة الطهارة هي الحياة ، وللشافعي قولان في ولوغ الخنزير ( الجديد ) أنه كالكلب ( والقديم ) يكفي فيه غسلة واحدة . والآية قصر قلب للرد على من استحل هذه الأربعة وحرم الحلال غيرها كالسوائب ومع ذلك هو نسبي أي ما حرم عليكم إلا هذه الأربعة لا غيرها من البحيرة وما بعدها في الآية وإن كان حرم غيرها من الأمور المذكورة في أول المائدة .
وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
يعني ما ذبح للأصنام والطواغيت وصيح في ذبحه لغير اللّه ، وأصل الإهلال رفع الصوت يقال أهل بكذا أي صرخ ورفع صوته ومنه إهلال الصبي واستهلاله ، وهو صياحه عند ولادته ، ومنه الهلال لأنه يصرخ عند رؤيته ، والمراد هنا ما ذكر عليه اسم غير اللّه تعالى كاللات والعزى إذا كان الذابح وثنيا ، والنار إذا كان الذابح مجوسيا . ولا خلاف في تحريم هذا وأمثاله . ومثله ما يقع من المعتقدين للأموات من الذبح على قبورهم ، فإنه مما أهل به لغير اللّه ، ولا فرق بينه وبين الذبح للوثن ، قال مجاهد : يعني ما ذبح لغير اللّه ، أخرجه ابن أبي حاتم ، وفي تفسير النيسابوري للنظام قال العلماء لو أن مسلما ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير اللّه صار مرتدا ، وذبيحته ذبيحة مرتد انتهى . وقال صاحب الروض : إن المسلم إذا ذبح للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كفر وانتهى ، وهذا القائل من الشافعية . قال الشوكاني : وإذا كان الذبح لسيد الرسل صلّى اللّه عليه وسلّم كفرا عنده فكيف بالذبح لسائر الأموات ، انتهى . وقيل إن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان التي كانوا يذبحونها لأصنامهم كما تقدم وأجازوا ذبيحة النصارى إذا سمي عليها باسم المسيح ، وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب لعموم قوله تعالى :
وَطَعامُ الَّذِينَ