ولأهل مودّتنا الشفاعة ، فتنافسو في لقائنا على الحوض ، فإنّا نذود عنه أعداءنا ، ونسقي منه أحباءنا وأولياءنا ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، حوضنا فيه مثعبان « 1 » ينصبّان من الجنّة : أحدهما من تسنيم ، والآخر من معين ، على حافته الزعفران ، وحصاه اللؤلؤ ، وهو الكوثر » « 2 » .
[ سورة الكوثر ( 108 ) : الآيات 2 إلى 3 ]
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ( 2 ) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ( 3 )
ثمّ إنّه تعالى بعد ما فضّل نبيه صلّى اللّه عليه وآله على العالمين بإعطائه الكوثر ، طالبه بشكره بأمره بالقيام بعبوديته وتعظيمه بقوله :
فَصَلِّ
يا حبيبي الصلاة التي هي جامعة لجميع وظائف العبودية وشؤون التعظيم
لِرَبِّكَ
المتفضّل عليك بالنّعم التي لا تحصى أداء لشكره عليها .
قيل : إنّه تعالى لمّا أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بالصلاة قال صلّى اللّه عليه وآله : « كيف أصلي ، ولست على وضوء ؟ » فقال اللّه
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
ثمّ ضرب جبرئيل بجناحه على الأرض ، فنبع ماء الكوثر فتوضّأ « 3 » .
ثمّ أمره بأفضل العبادات المالية بقوله :
وَانْحَرْ
البدن التي هي أنفس الأموال عند العرب . وقيل :
لمّا كانت صلاة المشركين ونحرهم للأصنام ، قال سبحانه : لتكن صلاتك ونحرك لربّك « 4 » .
وقيل : أريد بالصلاة صلاة العيد الأضحى ، وبالنحر النحر للأضحية « 5 » .
وقيل : يعني صلاة الفجر بالمزدلفة ، والنحر بمنى « 6 » .
وقيل : يعني استقبل في الصلاة بنحرك إلى القبلة « 7 » .
وقيل : يعني ارفع يديك إلى نحرك عند تكبيرات الصلاة « 8 » .
روى بعض العامة عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال : « لمّا نزلت هذه السورة قال النبي صلّى اللّه عليه وآله لجبرئيل : ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربّي ؟ قال : ليست بنحيرة ، ولكنّه يأمرك إذا تحرّمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبّرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من السجود وإذا سجدت ، فانّه صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السماوات السبع ، وإنّ لكلّ شيء زينة وزينة الصلاة رفع اليدين عند كلّ تكبير » « 9 » .
ورووا عنه عليه السّلام أنّه فسّر هذا بوضع اليدين على النحر في الصلاة ، وقال : رفع اليدين قبل الصلاة عادة المستجير العائذ ، ووضعها على النحر عادة الخاضع الخاشع « 10 » .
هامش
( 1 ) . في النسخة : مشعبان ، والمثعب : مسيل المياه .
( 2 ) . الخصال : 624 / 10 ، تفسير الصافي 5 : 383 .
( 3 ) . تفسير الرازي 32 : 129 .
( 4 ) . تفسير الرازي 32 : 130 .
( 5 ) . تفسير الرازي 32 : 130 ، تفسير روح البيان 10 : 525 .
( 6 ) . تفسير الرازي 32 : 130 ، تفسير أبي السعود 9 : 205 .
( 7 ) . تفسير أبي السعود 9 : 205 .
( 8 ) . جوامع الجامع : 554 ، تفسير أبي السعود 9 : 205 .
( 9 ) . مجمع البيان 10 : 837 ، تفسير الصافي 5 : 383 ، تفسير الرازي 32 : 129 .
( 10 ) . تفسير الرازي 32 : 129 .