تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
ها بحيث تحيط بجميع كرات العناصر ، بل كلّها بالنسبة إليها كحلقة في فلاة ، أو لموسعون الرزق على الخلق منها ، أو المراد لقادرون على خلق أمثالها
وَالْأَرْضَ
البسيطة التي تسكنونها ، نحن
فَرَشْناها
وبسطناها تحتكم ، لتستقرّوا عليها ، ومهدناها لكم كالفراش ، تنامون وتتقلبون عليها
فَنِعْمَ الْماهِدُونَ
نحن ، أو ماهدها .
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ
من الأشياء ، وجنس من الأجناس
خَلَقْنا زَوْجَيْنِ
ونوعين ، أو صنفين ، كالجوهر والعرض ، والمجرّد والمادي ، والجماد والنامي ، والمدرك والنبات ، والناطق والصامت ، والذكر والأنثى ، إلى غير ذلك ، وإنّما فعلنا جميع ذلك
لَعَلَّكُمْ
أيّها الناس
تَذَكَّرُونَ
وتتنبّهون أنّ ربكم قادر على كلّ شيء ، وفرد لا زوج له ، وأنّه خلق للدنيا زوجا ، وهو الآخرة ، وأنّه مستحق للعبادة ، ومتفرّد في الألوهية ، فقل يا محمد إذا ظهر لكم أنّ الامر كذلك :
فَفِرُّوا
وأهربوا من العذاب ، ومن كلّ ما تخافون منه
إِلَى اللَّهِ
القادر المنعم عليكم وحده ، واسرعوا في الايمان بتوحيده والتسليم لأحكامه ، وبادروا إلى عبادته ، كي تنجوا من عقابه ، وتفوزوا بثوابه
إِنِّي لَكُمْ
يا عباد اللّه
مِنْهُ نَذِيرٌ
ومخوّف من عذابه على الشرك
مُبِينٌ
وظاهر رسالتي عنه ببرهان قاطع ومعجز باهر ، لا عذر لكم في تكذيبي وعدم اتّباع قولي . ثمّ أكّد الأمر بالتوحيد بالنهي عن الشرك بقوله :
وَلا تَجْعَلُوا
بهوى أنفسكم
مَعَ اللَّهِ
الواحد الأحد في الألوهية والربوبية والمعبودية
إِلهاً
ومعبودا
آخَرَ
من مخلوقاته ، كالكواكب والأصنام وغيرهما ، ولا تدعوا معه غيره
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ .

[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 52 إلى 55 ]

كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 52 ) أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 53 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) ثمّ لمّا كان النبي صلّى اللّه عليه وآله كلّما دعا قومه إلى التوحيد والايمان بالبعث بعد الموت ، قالوا إنّه مجنون وكلّما أتى بالمعجزات قالوا : إنّه ساحر ، وكان يتأثّر قلبه الشريف من ذلك ، سلّاه سبحانه بالإخبار بأنّ سائر الأمم كان دأبهم ذلك بقوله :
كَذلِكَ
أمر سائر الأمم ، فانّه
ما أَتَى
الأمم
الَّذِينَ
كانوا
مِنْ قَبْلِهِمْ
من زمان نوح
مِنْ رَسُولٍ
مبعوث لهدايتهم
إِلَّا قالُوا
في حقّه إذا أتاهم بمعجزة : إنّه
ساحِرٌ أَوْ
إذا دعاهم إلى التوحيد والمعاد : إنّه
مَجْنُونٌ
فلا تحزن على ما قال قومك في حقّك . والعجب من اتّفاق جميع الأمم على هذا القول الشنيع في حقّ رسلهم
أَ تَواصَوْا بِهِ
وتعاهد