تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
بعضهم مع بعض أن يقولوا هذا القول ، لا ليس توافقهم عليه لتوصيتهم بذلك ، لبعد زمانهم ، وعدم تلاقيهم في وقت
بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ
مشركون في عداوة اللّه والإعراض عن الحقّ ، فاشتركوا في التفوّه بتلك الكلمة الشنيعة
فَتَوَلَّ
يا محمد وأعرض
عَنْهُمْ
فإنّك قد بالغت في دعوتهم ، وأتعبت نفسك في نصحهم ووعظهم ، وأتممت الحجّة عليهم
فَما أَنْتَ
بعد ذلك
بِمَلُومٍ
في تركهم والإعراض عنهم ، فان كنت رحيما وعطوفا بهم ، ولا تريد أن تدعهم بالكلية
وَذَكِّرْ
وعظ الناس
فَإِنَّ الذِّكْرى
والعظة وبيان العلوم والمعارف وأمور الآخرة
تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
حيث إنّها تنوّر قلوبهم ، وتزيد في إيمانهم ورغبتهم إلى الطاعة والعبادة . عنهما عليهما السّلام قالا : « إنّ الناس لمّا كذبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله همّ اللّه بإهلاك أهل الأرض إلّا عليا فما سواه بقوله :
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ
ثمّ بدا له فرحم المؤمنين ، ثمّ قال لنبيه صلّى اللّه عليه وآله :
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ »
« 1 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام « لمّا نزلت
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ
لم يبق أحد منّا إلّا أيقن بالهلكة ، فلمّا نزل
وَذَكِّرْ .
. . الآية طابت أنفسنا » « 2 » .

[ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 56 ]

وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ثمّ لمّا كان ازدياد المعرفة ورغبة المؤمنين في العبادة من منافع التذكير ، بيّن سبحانه أنّ معرفته وعبادته هو الغرض من الخلقة بقوله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ
أولا وهم أعمّ من الملك
وَالْإِنْسَ
بعدهم لغرض من الأغراض وحكمة من الحكم
إِلَّا
ليعرفون ربّهم بالوجود والحكمة والقدرة وسائر الصفات الجمالية والجلالية و
لِيَعْبُدُونِ
خالقهم ، فيستكملوا بالعلم والعبادة ، ويستعدّوا للنيل بالفيوضات الأبدية ، ويستأهلوا للحياة الدائمة والنّعم الباقية ، والكرامات الفائقة غير المتناهية . عن الصادق عليه السّلام ، قال : « خرج الحسين بن علي عليه السّلام على أصحابه ، فقال : أيّها الناس ، إنّ اللّه ما خلق العباد إلّا ليعرفوه ، فإذا عرفوه عبدوه ، وإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه » فقال رجل : يا بن رسول اللّه ، بأبي أنت وأمّي ، فما معرفة اللّه ؟ قال : « معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته » « 3 » . وعن الصادق عليه السّلام أنّه سئل عن هذه الآية فقال : « خلقهم ليأمرهم بالعبادة » قيل : قوله تعالى :
وَلا
هامش
( 1 ) . الكافي 8 : 103 / 78 ، تفسير الصافي 5 : 74 . ( 2 ) . مجمع البيان 9 : 243 ، تفسير الصافي 5 : 75 . ( 3 ) . علل الشرائع : 9 / 1 ، تفسير الصافي 5 : 75 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 59 | الشيخ محمد النهاوندي