تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
ليلة ليتعبّد فيها فأذنوا له « 1 » في ذلك ، فأقام فيها الليل وحده ، فتغوّط فيها ، وطلى به جدرآنها وإيوانها ومحرابها ، ثمّ خرج منها وهرب ، فانتشر الخبر في الآفاق ، فتنفّر الناس منها ، فلمّا سمع ذلك أبرهة غضب وحلف أن يخرب الكعبة . وقيل : بلغ الخبر إلى النجاشي ، فاغتم لذلك وأغراه « 2 » أبرهة وقال : لا تحزن ، إنّ لهم كعبة هي فخرهم فنخرب بنيانها ونبيح دماءها ، فخرج أبرهة بجند كثيف ، ومعه فيل أبيض اللون لم ير مثله في عظم الجثّة وشدّة القوّة ، يقال له : محمود ، فلمّا قرب من الحرم نزل ، وبعث رجلا حبشي « 3 » يقال له الأسود ، حتّى انتهى إلى مكّة ، فساق إليه أموال تهامة ومواشيها « 4 » . قيل : لمّا بلغ أبرهة المغمّس - وهو منزل في طريق الطائف - خرج إليه عبد المطّلب ، وعرض إليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى « 5 » . وقيل : لمّا نزل المغمّس بعث حناطة الحميري إلى مكّة ، وقال له : سل من سيّد هذا البلد وشريفهم ، وقل له : إنّ الملك يقول : إنّي لم آت لحربكم ، وإنّما جئت لهدم هذا البيت ، فإن لم تتعرّضوا دونه لحرب فلا حاجة لي في دمائكم ، فإن لم يرد حربي فأتني به ، فجاء عبد المطّلب ومعه جماعة من بني هاشم ، فسبقهم الرسول إلى أبرهة ، وقال له : جاءك رئيس مكة « 6 » . وقيل : استأذن لعبد المطّلب بعض وزراء أبرهة ، يقال له أنيس سائس الفيل ، وقال : جاءك سيد قريش وصاحب عير مكّة الذي يطعم الناس في السهل ، والوحوش في روؤس الجبال ، فأحسن أبرهه رأيه ، وجلس على السرير ، فأجاز لعبد المطلب في الدخول ، فلمّا ورد قال أبرهة ، ونزل عن السرير [ كيلا تجلسه معه ] ، لأنّه كره أن تراه الحبشة على سرير ملكه ، وجلس مع عبد المطلب على الأرض ، وأكرمه وعظّمه ، وأعجبه حسن كلامه ، وقال في نفسه : لو شفع في انصرافه من البيت لأجابه ، فقال له : فاسأل منّي كلّما تريد . فقال له عبد المطّلب : أريد منك أن تأمر بردّ إبلي التي كانت ترعى بذي المجاز ، فساقها بعض جيشك . فقال أبرهة لترجمانه : قل له : لم لم تشفع في البيت الذي يكون شرفا وعزّا لك ولقومك من قديم الدهر ، وأنا أريد أن اخربه ، وما قدر الإبل التي تريدها ؟ ! وقيل : إنّه قال : سقطت من عيني ، جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك ، فالهاك عنه ذود اخذلك « 7 » . قال عبد المطّلب : أنا ربّ الإبل ، وللبيت ربّ يحفظه كما حفظه من تبّع وسيف بن ذي يزن
هامش
( 1 ) . في النسخة : فأذنوه . ( 2 ) . في النسخة : وغراه . ( 3 ) . في النسخة : حبشية . ( 4 ) . تفسير روح البيان 10 : 511 . ( 5 و 6 ) . تفسير روح البيان 10 : 13 . 5 ( 7 ) . الذود : القطيع من الإبل بين الثلاث إلى العشر ، راجع تفسير الرازي 32 : 96 .