وَيُعِيدُ
هم ، ويخلقهم ثانيا في الآخرة ، ليجازيهم على أعمالهم . وعن ابن عباس : أنّ أهل جهنّم تأكلهم النار حتى يصيروا فحما ثمّ يعيدهم خلقا جديدا ، وذلك هو المراد من قوله :
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
« 1 » .
ثمّ أكّد سبحانه وعده للمؤمنين بقوله :
وَهُوَ الْغَفُورُ
للذنوب
الْوَدُودُ
بالمؤمنين ، والمحبّ لهم ، وهو
ذُو الْعَرْشِ
وصاحب سرير الملك والسلطنة ، أو خالقه
الْمَجِيدُ
والعظيم في ذاته ، والشريف في أفعاله ، وهو
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
لا يزاحمه شيء في إنفاذ إرادته ، ولا يمنعه مانع من إتمام مراده ، يفعل ما يشاء كيف يشاء ، وذكر صيغة المبالغة لكثرة أفعاله من الإحياء والإماتة والإغناء والافقار والإعزاز والإذلال وغيرها .
[ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 17 إلى 22 ]
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ( 17 ) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ( 18 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ( 19 ) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ( 20 ) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 )
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 )
ثمّ استشهد سبحانه على شدّة بطشه بقصة أخذه الأمم المكذّبة للرسل بقوله :
هَلْ أَتاكَ
يا محمد ، وهل سمعت منّا
حَدِيثُ الْجُنُودِ
الكافرة وخبر الجماعات المكذّبة للرسل ؟ أعني
فِرْعَوْنَ
وَ
قومه
ثَمُودَ
قوم صالح ، كيف فعلوا ، وكيف فعلنا بهم وأهلكناهم بعذاب شديد ؟
فذكّر قومك بما نزل عليهم من العذاب لعلّهم يتذكّرون ، وأنّى لهم الذكرى
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا
من قومك وأصرّوا على العناد والطّغيان ليسوا مثل الأمم السابقة ، بل هم أشدّ كفرا وعنادا ، لأنّهم مستقرون
فِي تَكْذِيبٍ
عظيم لرسالتك وكتابك بحيث لا ينصرفون عنه مع دلالة الأدلّة الباهرة على صحّتهما .
ثمّ بالغ سبحانه في تسليته نبيه صلّى اللّه عليه وآله على تكذيب قومه بقوله :
وَاللَّهُ
القادر القاهر
مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
بهم لا يقدرون على الفرار من أخذه وعذابه ، فلا تتألّم من تكذيبهم إيّاك ، فإنّي انتقم منهم أشدّ الانتقام ، وليس تكذيبهم لكتابك موهنا له ، ولا نسبته إلى الشعر والسحر والكهانة مسقطا له عن الأنظار
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ
وكتاب شريف عالي القدر في الكتب السماوية الإلهية ، مثبوت ومضبوط
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
عند اللّه مصون من مساس الشياطين وتحريف المبطلين .
عن ابن عباس : أنّ اللّه خلق لوحا محفوظا من درّة بيضاء ، دفّتاه ياقوتة حمراء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق والمغرب ، ينظر اللّه فيه كلّ يوم ثلاثمائة وستين مرة ، يحيي ويميت ، ويعزّ ويذلّ ، ويفعل ما يشاء ، وفي صدر اللّوح : لا إله إلّا اللّه وحده ، ودينه الاسلام ، ومحمد
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 31 : 122 .