ثمّ أكّد سبحانه أنّه كلامه لا كلام النبي صلّى اللّه عليه وآله بقوله تعالى :
وَلَوْ تَقَوَّلَ
محمّد
عَلَيْنا
ونسب إلينا كذبا
بَعْضَ الْأَقاوِيلِ
والكلمات التي لم نقلها
لَأَخَذْنا
بعضا
مِنْهُ
للانتقام
بِالْيَمِينِ
والقوّة .
وقيل : إنّ المراد باليمين الحقّ « 1 » والمعنى لانتقمنا منه بالحقّ
ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ
والعرق الذي به حياته ، وهو كناية عن إماتته . وقيل : يعني لضربنا عنقه « 2 » .
وعلى أيّ تقدير ، المراد إهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه
فَما مِنْكُمْ
أيّها الناس
مِنْ أَحَدٍ
حينئذ
عَنْهُ حاجِزِينَ
ومانعين بالقوّة أو الشفاعة .
ثمّ إنّه تعالى بعد تعظيم كتابه بالغ في مدحه بذكر فائدته العظيمة بقوله :
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ
وعظة
لِلْمُتَّقِينَ
من إتّباع الهوى والعصبية في مذهبه الباطل ، فانّهم المنتفعون به
وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ
كثيرا
مِنْكُمْ
أيّها العرب
مُكَذِّبِينَ
له لحبّ الدنيا واتّباع الهوى والتوغّل في العصبية ، وكافرين به حسدا وبغيا
وَإِنَّهُ
يوم القيامة
لَحَسْرَةٌ
وندامة
عَلَى الْكافِرِينَ
به وبمحمد صلّى اللّه عليه وآله عند مشاهدتهم عظمته وشفاعته لتاليه وثواب المصدّقين به ، وفي الدنيا أيضا إذا رأوا عز المؤمنين به وذلّة الجاحدين له قالوا :
وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ
وفيه من المبالغة ما لا يخفى ، فإذا كان القرآن أنزله إليك بهذه المرتبة من العظمة والفائدة ، ونعمته عليك فوق جميع النّعم
فَسَبِّحْ
اللّه تنزيها له .
عن الرضا عليه السّلام : « بالتقول عليه ، وشكرا له على إيحائه عليك » « 3 » مستعينا في تسبيحه
بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
قيل : المراد بالاسم المسمّى « 4 » .
روي أنّه لمّا نزلت الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « اجعلوها في ركوعكم » « 5 » .
روى بعض العامة عن عمر بن الخطاب أنّه قال : خرجت بمكة يوما متعرّضا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فوجدته قد سبقني إلى المسجد ، فجئت فوقفت وراءه ، فافتتح سورة الحاقة ، فلمّا سمعت سرد القرآن قلت في نفسي : إنّه لشاعر كما تقول قريش ، حتّى بلغ إلى قوله :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
ثمّ مرّ حتّى انتهى إلى آخر السورة ، فأدخل اللّه في قلبي الإسلام « 6 » .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 30 : 118 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 10 : 151 .
( 3 ) . تفسير الصافي 5 : 223 .
( 4 و 5 ) . تفسير روح البيان 10 : 152 .
( 6 ) . تفسير روح البيان 10 : 153 .