ثمّ أنكر سبحانه عليهما الكفران لنعمه بقوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما
أيّها الجنّ والانس
تُكَذِّبانِ
وتكفران ؟
[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 17 إلى 23 ]
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 18 ) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 21 )
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ( 22 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 23 )
ثمّ من المعلوم أنّ الربّ الذي له هذه المرتبة من القدرة لا يختصّ ربوبيته بكما ، بل هو
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ
مشرق الصيف ومشرق الشتاء ، كما عن أمير المؤمنين عليه السّلام « 1 » ، أو مشرق الشمس ومشرق القمر .
وعن الصادق عليه السّلام : « تأويل المشرقين برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السّلام » « 2 » .
وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ
لكلّ من المشرقين ، وعنه عليه السّلام : « المغربين الحسن والحسين عليهما السّلام » « 3 » .
ومن المعلوم أنّ لازم ربوبيته لها ربوبيته لجميع ما بينها من الموجودات والنّعم التي لا تحصى
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما
ونعمه أيّها الثقلان
تُكَذِّبانِ
وأيّها تنكران ؟
ثمّ لمّا ذكر الشمس والقمر اللذين لهما جريان ، ذكر نعمة البحر الذي له جريان بقوله :
مَرَجَ
وأرسل
الْبَحْرَيْنِ
بحر السماء وبحر الأرض ، أو بحر العذب وبحر الملح الأجاج ، أو بحر الروم وبحر فارس أحدهما إلى الآخر بحيث
يَلْتَقِيانِ
ويتماسّ سطحاهما ، أو بحيث يكون من شأنهما الالتقاء والاختلاط ، ومع ذلك
بَيْنَهُما
في الواقع من الأرض أو غيرها بقدرة اللّه
بَرْزَخٌ
وحاجز ومانع من الاختلاط .
قيل : إنّ الماء ينجذب بعضه إلى بعض كأجزاء الزئبق « 4 » . ولذا لا يكون له إلّا حيّز ومكان واحد ، فلذا من طبع البحرين وشأنهما أن يلتقيا ويختلطا ، ومع ذلك يبقى كلّ في مكان متميّز لمانع جعله اللّه بقدرته الكاملة ، وقد روي في صورة جريان الماء العذب في الماء المالح أو بالعكس ، وفي جريان الماء الصافي في الماء المختلط بالطين وبالعكس ، لا يختلطان في مقدار من الزمان أو مطلقا ، لمانع جعله اللّه بينهما بقدرته ، كقطعة من الأرض
لا يَبْغِيانِ
ولا يتجاوزان حدّيهما حتى يمتزجا أو يغرقا ما بينهما من الأرض ، ولا يطلبان غير ما قدر لهما .
هامش
( 1 ) . الاحتجاج : 259 ، تفسير الصافي 5 : 108 .
( 2 ) . تفسير القمي 2 : 344 ، تفسير الصافي 5 : 108 .
( 3 ) . تفسير القمي 2 : 344 ، تفسير الصافي 5 : 108 .
( 4 ) . تفسير الرازي 29 : 100 .