تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ .
قال : فلمّا غزا المسلمون فارس وافتتحوها فرح المؤمنون بنصر اللّه » . قيل : أليس اللّه يقول :
فِي بِضْعِ سِنِينَ
وقد مضى للمؤمنين سنون كثيرة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وفي إمارة أبي بكر ، وإنّما غلبت المؤمنون فارس في إمارة عمر ؟ فقال : « ألم أقل لك إنّ لهذا تأويلا وتفسيرا ، والقرآن ناسخ ومنسوخ ، أما تسمع لقول اللّه عزّ وجلّ :
لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
يعني إليه المشيئة في القول أن يوخّر ما قدّم ويقدّم ما أخّر في القول إلى يوم تحتّم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين ، وذلك قوله عزّ وجلّ :
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ
أي يوم يحتّم القضاء [ بالنصر ] » « 1 » . أقول : هذه الرواية توافق قراءة
سَيَغْلِبُونَ
بالبناء للمفعول .

[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 7 إلى 8 ]

يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ( 7 ) أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ( 8 ) ثمّ ذمّهم سبحانه بقصر علمهم بشهوات الدنيا بقوله :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا
وزينتها وشهواتها ، ولا يعلمون باطنها الذي هو المضار والمتاعب
وَهُمْ عَنِ
عالم
الْآخِرَةِ
ودار الجزاء
هُمْ غافِلُونَ
لا تتوجّه قلوبهم إليها . عن الصادق عليه السّلام أنّه سئل عن قوله :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا
فقال : « منه الزجر والنجوم » « 2 » . ثمّ لامهم سبحانه على ترك التفكّر في آيات التوحيد والبعث بقوله :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
ولم يتأمّلوا في قلوبهم حتى يعلموا أنّه يجب على اللّه حشر الخلق لمجازاتهم على أعمالهم بمقتضى الحكمة البالغة ، لأنّه
ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما
من الموجودات بغرض من الأغراض
إِلَّا بِالْحَقِّ
والحكمة البالغة والمصلحة التامة ، وعمدتها هو « 3 » استدلالهم بها على وجوده وكمال صفاته ، وارتقائهم بالنظر فيها من حضيض البشرية إلى أعلى درجة الانسانية ، واستحقاقهم لفيوضاته الأبدية ، ولا يكون ذلك إلّا بانتقالهم إلى دار الآخرة الأبدية ، وإلّا كان خلقها عبثا ولعبا .
هامش
( 1 ) . الكافي 8 : 269 / 397 ، تفسير الصافي 4 : 126 . ( 2 ) . مجمع البيان 8 : 461 ، تفسير الصافي 4 : 127 . ( 3 ) . في النسخة : وهو .