قيل : إنّه حصل بعد فتح مكّة من اتّضاح سبيل الحقّ واستقامة مناهجه ما لم يكن حاصلا قبله « 1 »
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ
يا محمد ، بذلك الفتح العظيم ، على أعدائك
نَصْراً عَزِيزاً
وقويا ومنيعا ، أو عزيزا صاحبه ، أو نفيسا يقلّ مثله ، وإنّما ذكر سبحانه الاسم الجليل لإظهار كمال العناية بذلك النصر ، ولكونه خاتمة الغايات .
قيل : إنّه لم يبق بعد الفتح عدوّ يعتنى به ، فانّ أغلب العرب صاروا مؤمنين أو مستأمنين « 2 » .
[ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 4 إلى 5 ]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 4 ) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً ( 5 )
ثمّ بيّن سبحانه ما هو وسيلة نصره في الظاهر بقوله :
هُوَ
المتفضّل
الَّذِي أَنْزَلَ
برحمته وفضله
السَّكِينَةَ
والطّمأنينة .
وعنهما عليهما السّلام : « هو الايمان »
فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ
« 3 » وجعل فيها بلطفه ثباتا وقرارا ، لا تماجّ ولا تزلزل من مشاهدة شوكة العدوّ وقوته وكثرته
لِيَزْدادُوا إِيماناً
ويقينا بنصر اللّه ، فكأنه صار إيمان مقرونا
مَعَ إِيمانِهِمْ وَ
يقين مضافا إلى يقينهم ، أو المراد لينضمّ يقينهم بالأحكام الإلهية بيقينهم بالتوحيد والمعاد ، أو يزداد إيمانهم بصدق الرسول على إيمانهم بالتوحيد ، أو يزداد إيمانهم الاستدلالي بايمانهم الفطري ، والحال أن
لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
من الملائكة والجنّ وسائر الحيوانات ، بل سائر الموجودات من المياه والرياح والنار والرعود والصواعق والزلازل وغيرها ، فلا حاجة له في نصرة نبيه إلى المؤمنين ، بل هو قادر على إهلاك أعدائه بإرادته من غير حاجة إلى الجنود من خلقه .
ثمّ بيّن علمه وإحاطته بالقلوب القابلة لنزول السكينة فيها ، ومقدار إيمان المؤمنين وعدد جنوده من الموجودات بقوله :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
بكلّ شيء ذاتا وقابلية وعددا و
حَكِيماً
في تقديره وتدبيره ، يوجد كلّ شيء في محلّه ، ويعامل مع كلّ شيء بما يستحقّه ،
وإنّما أراد ازدياد الايمان في القلوب
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
يوم القيامة بإزاء إيمانهم
جَنَّاتٍ
وبساتين ذات أشجار
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 8 : 104 ، تفسير روح البيان 9 : 10 .
( 2 ) . تفسير نور الثقلين 5 : 56 .
( 3 ) . الكافي 2 : 12 / 1 ، و : 13 / 4 ، تفسير الصافي 5 : 39 .