في تفسير سورة محمد صلّى اللّه عليه وآله
[ سورة محمد ( 47 ) : آية 1 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ( 1 )
ثمّ لمّا ختمت سورة الأحقاف ببيان إيمان الجنّ بمحمد صلّى اللّه عليه وآله وكتابه ، وكفر أهل مكّة بهما ، وتهديد الكفّار بالعذاب الدنيوي والأخروي ، نظمت سورة محمد صلّى اللّه عليه وآله المتضمّنة لذمّ الكفّار ، ومنعهم الناس عن الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وآله ودينه وكتابه ، وبيان سوء عاقبتهم ، ومدح المؤمنين وبيان حسن عاقبتهم ، وتحريضهم على قتال الكفّار ، وأمرهم بجهادهم ، فافتتحها بذكر الأسماء الحسنى بقوله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ .
ثمّ شرع في ذمّ الكفّار الصادّين عن سبيل اللّه بقوله :
الَّذِينَ كَفَرُوا
وأصرّوا على كفرهم ، كأبي جهل وأضرابه من قريش واليهود وغيرهم
وَصَدُّوا
ومنعوا أنفسهم أو الناس
عَنْ
سلوك
سَبِيلِ اللَّهِ
واتّباع أدلّة الحقّ ودين الاسلام
أَضَلَّ
اللّه وأبطل
أَعْمالَهُمْ
الحسنة بالذات ، كصلة الرّحم ، والانفاق على الفقراء ، وإعانة المظلومين وإغاثه الملهوفين ونظائرها ، بحيث لا يبقى لهم عمل يؤجرون « 1 » عليه .
قيل : لمّا قال في آخر السورة المباركة السابقة
فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ
كان مجال أن يقال : كيف يهلك الفاسقون مع أنّ لهم في طول أعمارهم صالحة كإطعام الطعام ، وصلة الرحم ونحو ذلك ، فيكون في إهلاكهم إهدار أعمالهم ، مع أنّه تعالى قال :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ؟
فقال اللّه تعالى :
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
أي لم يبق لهم عمل ، ولم يوجد ، فلم يمنع إهلاكهم ؛ « 2 » لأنّ الايمان شرط قبول العمل وترتب الأجر عليه ، فما لا يقبل كما لا يوجد ، أو لأنّ الكفر يترجّح في الميزان على جميع الحسنات ، كما أنّ الايمان بترجّح على جميع السيئات ، أو لأن خيرية العمل بحيث يترتّب عليه الأجر ، إنّما يكون بقصد العامل إيجاده للّه ، والكافر لا يقصد بأعماله التقرّب إلى اللّه ، وتحصيل رضاه ، فلا يصدر منه خير حتى يراه .
هامش
( 1 ) . في النسخة : يؤجر .
( 2 ) . تفسير الرازي 28 : 36 .