ثمّ أعلن سبحانه بغاية ضلالهم بقوله :
وَمَنْ أَضَلُّ
على نفسه
مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ
وقال قولا أو عمل عملا بشهوة نفسه من دون أن يكون على صحّته حجّة واضحة شرعية أو عقلية .
عن الكاظم عليه السّلام - في هذه الآية - قال : « يعني من أتّخذ دينه ورأيه بغير إمام من ائمّة الهدى » « 1 » .
ثمّ إنّه تعالى بعد ذمّهم بغاية الضلال هدّدهم بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي
إلى دين الحقّ ، ولا يوفّق للالتزام به
الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
على أنفسهم بالكفر والإصرار على العناد ، بل يشملهم الخذلان الذي هو أشدّ العذاب في الدنيا لاستتباعه أشدّ العذاب في الآخرة .
ثمّ بيّن اللّه سبحانه حكمة نزول القرآن نجوما بقوله :
وَلَقَدْ وَصَّلْنا
لقريش ، وأكثرنا
لَهُمُ الْقَوْلَ
بانزال آيات القرآن العظيم واحدة بعد واحدة وقطعة بعد قطعة حسبما تقتضيه الحكمة ليتّصل التذكير - عن الكاظم عليه السّلام : « إمام إلى إمام » « 2 » -
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
ويتعّظون فيؤمنوا وينقادوا للحقّ ، أو المراد : تابعنا لهم المواعظ والزواجر ، وبيّنا لهم قصص المهلكين قرنا بعد قرن بالعذاب على الكفر وتكذيب الأنبياء لعلّهم يتّعظون ويخافون أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم من الأمم الظالمة المكذّبة للرّسل كقوم نوح وأضرابهم .
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 52 إلى 53 ]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ( 53 )
ثمّ استدلّ سبحانه على صحّة النبوة وصدق القرآن بعجز البشر عن إتيان مثل هذا الكتاب ، أكدّ ذلك بالاستدلال عليهما بايمان علماء أهل الكتاب به بقوله :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
السماوي كالتوراة والإنجيل ، وأنزلنا عليهم في الزمان السابق على نزول القرآن و
مِنْ قَبْلِهِ
وآمنوا به حقّ الايمان
هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ
وبكونه كلام اللّه يصدّقون .
قيل : نزلت في أناس من أهل الكتاب ، كانوا على شريعة حقّة ، فلمّا بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله آمنوا به منهم سلمان وعبد اللّه بن سلام « 3 » .
وحاصل الاستدلال : أنّ المطّلعين على الكتب السماوية لمعرفتهم بصفات القرآن وعلائمه
هامش
( 1 ) . الكافي 1 : 306 / 1 ، تفسير الصافي 4 : 94 .
( 2 ) . الكافي 1 : 343 / 18 ، تفسير الصافي 4 : 94 .
( 3 ) . تفسير الرازي 24 : 262 .