تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
قيل : إنّما طلبوا العذاب لاستبعادهم وقوعه ، وظنّهم بأنّه إذا لم يقع ظهر كذبه « 1 » . فعند ذلك
قالَ
شعيب :
رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ
من الإصرار على الكفر والتكذيب ، فيعامل معكم بما تستحقّون ، فأمركم مفوّض إليه
فَكَذَّبُوهُ
بعد وضوح الحقّ وتمامية الحجّة كما كذّبوه من قبل
فَأَخَذَهُمْ
وشملهم
عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ
حسبما اقترحوه . روي أنّه حبس عنهم الريح سبعا ، وسلّط عليهم الرمل ، فأخذ بأنفاسهم ، لا ينفعهم الظل والماء ، فاضطرّوا إلى الخروج إلى البرّ ، فاظلّتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما ، فاجتمعوا تحتها ، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا « 2 »
إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
بعظم ما وقع فيه من العذاب . روي أنّه عليه السّلام بعث إلى أصحاب مدين وأصحاب الأيكة ، فأهلكت مدين بصيحة جبرئيل عليه السّلام وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلّة « 3 »
إِنَّ فِي ذلِكَ
العذاب الهائل
لَآيَةً
وعبرة للنّاس
وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ .
قيل : لم يؤمن من أصحاب الأيكة أحدا ، وإنّما آمن به جمع من أهل مدين « 4 » .

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 192 إلى 195 ]

وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 ) ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر القصص التي كان الإخبار بها من النبيّ الأمي من الإخبار بالمغيّبات ، أعلن بكون القرآن نازلا منه بقوله :
وَإِنَّهُ
بدلالة إعجاز البيان والاشتمال على المغيبات واللّه
لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ
لا اختلاق البشر
نَزَلَ بِهِ
بأمره جبرئيل الذي يقال له
الرُّوحُ الْأَمِينُ
على وحيه ، وتلاه عليك بحيث وعاه قلبك وحفظه كأنه نزل به أولا
عَلى قَلْبِكَ
ثمّ على ظاهرك . وقيل : لمّا كان المخاطب في الحقيقة القلب لكونه محل التميّز والاختبار وسائر الأعضاء مسخرة له « 5 » ، يكون هو محلّ النزول في الحقيقة ، فكأنّه قال : نزل عليك بحيث تفهمه حقّ الفهم
لِتَكُونَ
منذرا
مِنَ الْمُنْذِرِينَ
ورسولا من المرسلين الذين ارسلوا
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
واضح المعنى لقومهم ، كهود وصالح وشعيب وإسماعيل ، أو المراد نزل به على قلبك بلغة عربية حتى لا يقول قومك : لا نفهم كتابك . عن أحدهما عليهما السّلام أنّه سئل عنه فقال : « يبين الألسن ، ولا تبينه الألسن » « 6 » .
هامش
( 1 و 2 و 3 ) . تفسير الرازي 24 : 164 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 6 : 305 . ( 5 ) . تفسير الرازي 24 : 166 . ( 6 ) . الكافي 2 : 462 / 20 ، تفسير الصافي 4 : 51 .