ودفعهم عن باطلهم بهذا القرآن ، أو بسبب علوّ قدرك ، أو بسب كونك نذير جميع القرى
جِهاداً كَبِيراً
وعظيما .
قيل : يعني جامعا لمجاهدات الرسل الكثيرة « 1 » .
قيل : إن توصيف مجاهدته بالقرآن بالكبر ، لأنّه أكبر وأعظم من الجهاد بالسيف « 2 » .
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 53 إلى 54 ]
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 )
ثمّ بالغ سبحانه في بيان كمال قدرته بقوله :
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ
وأرسل ، أو خلط ، أو خلّى
الْبَحْرَيْنِ
والماء العظيمين في مجاريهما حال كونهما ممتازين كلّ من الآخر بحيث يقال :
هذا
الماء
عَذْبٌ فُراتٌ
وطيب رافع للعطش لغاية عذوبته وطيبه
وَهذا
الماء الآخر
مِلْحٌ أُجاجٌ
بليغ في الملوحة
وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً
وحاجزا وحائلا من الأرض ، أو من قدرته ، كأنّه يتنفّر كلّ منهما من الآخر ، ويقول له :
وَحِجْراً مَحْجُوراً
كما يقول الرجل ذلك لعدوّه تعوّذا من شرّه ، والمعنى أنّه يقول كلّ من البحرين للآخر : حرام محرّم عليك أن تختلط بي ، وتغلب عليّ ، وتزيل صفتي ، أو المراد تنافرا بليغا ، أو حدا محدودا ، والظاهر أنّ المراد بالبحر العذب الأنهار الكبار كالنّيل والفرات ودجلة ، ومن الملح الأجاج البحر المعهود ، لما قيل من أنّه لا وجود للبحر العذب « 3 » .
قيل : إنّ دجلة تدخل في بحر فارس ، وهو المسمّى بالبحر الأخضر ، وتجري في خلاله فراسخ لا يتغيّر طعمها « 4 » .
وقيل : إنّ النيل يدخل في البحر الأخضر « 5 » ، وهو بحر فارس ، وهو على عذوبته ، والبحر مرّ زعاق .
ثمّ إنّه تعالى بعد بيان كمال قدرته بصنعه في الماء ، بيّن قدرته بخلق الانسان الذي هو أحسن مخلوقاته وأشرفها منه بقوله :
وَهُوَ
القادر
الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ
الدافق المخلوق في أصلاب الرجال
بَشَراً
وإنسانا ينطوي فيه العالم الكبير
فَجَعَلَهُ
أو جعل الماء
نَسَباً
وذكرا ينسب إليه ويقال : فلان بن فلان
وَصِهْراً
وإناثا يتزوّج بهنّ .
والظاهر أنّ النسب القرابة بالولادة ، والصّهر القرابة بالتزويج
وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً
بحيث لا حدّ
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 24 : 100 .
( 2 ) . تفسير الصافي 4 : 19 ، تفسير روح البيان 6 : 227 .
( 3 و 4 و 5 ) . تفسير روح البيان 6 : 229 .