تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
الزبعرى : أأنت قلت ذلك ؟ قال : « نعم » ، قال : قد خصمتك وربّ الكعبة ، أليس اليهود عبدوا العزير ، والنّصارى عبدوا المسيح ، وبنو مليح عبدوا الملائكة ؟ فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فضحك القوم ، فنزل
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا
« 1 » وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ
الآية « 2 » . وفي رواية أخرى قال : « بل هم عبدوا الشياطين الذين أمروهم بذلك » « 3 » . وعن الباقر عليه السّلام : « لمّا نزلت هذه الآية ، وجد منها أهل مكّة وجدا شديدا ، فدخل عليهم عبد اللّه بن الزّبعرى وكفّار قريش يخوضون في هذه الآية ، فقال ابن الزّبعرى : أتكلّم محمّد بهذه الآية ؟ قالوا : نعم ، قال : لئن اعترف بها لأخصمنّه ، فجمع بينهما ، فقال : يا محمّد ، أرأيت الآية التي قرأتها آنفا ، أفينا وفي آلهتنا خاصّة ، أم في الأمم وآلهتهم ؟ قال : بل فيكم وفي آلهتكم ، وفي الأمم وآلهتهم إلّا من استثنى [ اللّه ] . فقال ابن الزّبعرى : خصمتك واللّه ، ألست تثنى على عيسى خيرا ، وقد عرفت أنّ النصارى يعبدون عيسى وأمّه ، وأنّ طائفة من النّاس يعبدون الملائكة ؟ أفليس هؤلاء مع الآلهة في النار ؟ قال : لا ، فضجّت قريش وضحكوا وقالوا : خصمك ابن الزّبعرى ؟ فقال صلّى اللّه عليه وآله : قلتم الباطل ، أما قلت إلّا من استثنى [ اللّه ] ، وهو قوله :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ »
الآية « 4 » . وقيل : لمّا كان الخطاب في الآية خطاب المشافهة لا يشمل غير مشركي مكّة ، وهم كانوا يعبدون الأصنام ، وأنّه تعالى قال :
وَما تَعْبُدُونَ
ولم يقل ومن تعبدون « 5 » ، فلا يشمل عيسى والعزير والملائكة ، وأنّه لم يقل أحد بالوهيّة الملائكة ، وأن العموم المفترض « 6 » مخصّص بالأدلّة العقلية والنقلية في حقّ أولئك الكرام ، فكان سؤال ابن الزّبعرى ساقطا . وفيه : أنّ خطابات القرآن شاملة لجميع أهل عصر النبي صلّى اللّه عليه وآله ، ولا تختصّ بقريش ، خصوصا مع قوله : « بل فيكم وفي آلهتكم ، وفي الأمم وآلهتهم » وكلمة ( ما ) كثيرا مّا تطلق على الأعمّ من ذوي العقول ولو تغليبا لغيرهم عليهم ، أو لتحقير ذوي العقول ، وعموم اللّفظ كاف لاعتراض الخصم اللّجوج . ولذا صرّح سبحانه بالتخصيص بعد عموم الآية بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا
الخصلة
الْحُسْنى
وهي السعادة الأبديّة ، أو الكلمة الحسنى ، وهي البشارة بالثّواب ، لا يرون جهنّم ، بل
أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
لأنّهم في الجنّة ، شتّان بينها وبين جهنّم ، حيث إنّ الجنّة في أعلى علّيين ، وجهنّم في أسفل السافلين ، ولذا يكون بعدهم من جهنّم بحيث
لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها
والصوت
هامش
( 1 ) . الزخرف : 43 / 57 . ( 2 ) . تفسير الرازي 22 : 223 . ( 3 ) . تفسير الرازي 22 : 223 . ( 4 ) . تفسير القمي 2 : 76 ، تفسير الصافي 3 : 356 . ( 5 ) . تفسير الرازي 22 : 223 . ( 6 ) . في النسخة : الفرضية .