تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
« 1 » فلم تركت قتالهم وتأديبهم « 2 » ، ثمّ وبّخه بقوله :
أَ فَعَصَيْتَ
وخالفت
أَمْرِي
إيّاك بالصّلابة في الدّين والمحاماة عليه . روي أنّه عليه السّلام أخذ بشعر رأسة بيمينه ولحيته بشماله من شدّة غيظه [ وغضبه ] للّه ، وكان عليه السّلام حديدا متصلّبا في كلّ شيء ، ففعل ما فعل بمرأى من قومه حين رآهم يعبدون العجل « 3 » ، فلمّا رأى هارون غضبه عليه
قالَ
ترقيقا لقلبه :
يَا بْنَ أُمَّ
ارفق بي وراع حقّ امّك فيّ ، و
لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
وشعره
إِنِّي خَشِيتُ
إن قاتلت بعضهم ببعض وتفرّقوا من
أَنْ تَقُولَ
لي حين رجوعك أنت
فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ .
وقيل : يعني أنّي خشيت إن فارقتهم واتّبعتك من أن يصيروا حزبين يقتل بعضهم بعضا ، فتقول لي : أنت أوقعت الفرقة في ما بينهم
وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
ولم تحفظ بحسن الخلافة عليهم « 4 » . قيل : لعلّ موسى عليه السّلام [ إنّما ] أمره بالذّهاب إليه إذا لم يؤدّ ذهابه إلى فساد القوم ، فقال : إنّما أمرتني باتّباعك إذا لم يحصل الفساد ، فلو جئتك مع حصول الفساد ما كنت مراقبا لقولك « 5 » . عن الصادق عليه السّلام أنّه سئل لم أخذ موسى عليه السّلام برأس هارون يجرّه إليه وبلحيته ، ولم يكن له في اتّخاذهم العجل وعبادتهم له ذنب ؟ فقال : « إنّما فعل ذلك لأنّه لم يفارقهم لمّا فعلوا ذلك ، ولم يلحق بموسى عليه السّلام ، وكان إذا فارقهم ينزل عليهم العذاب ، ألا ترى أنّه قال لهارون :
ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ؟
قال هارون : لو فعلت ذلك لتفرّقوا » « 6 » . ثمّ اعلم أنّ منكري عصمة الأنبياء استدلّوا بهاتين الآيتين بوجوه عديدة على مذهبهم الفاسد ، وأجاب القائلون بعصمتهم عنه بوجوه منها : أنّ بني إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظنّ بموسى عليه السّلام ، حتى أنّ هارون غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى : أنت قتلته ؟ فلمّا رجع موسى عليه السّلام من الميقات ، ورأى في قومه ما رأى ، أخذ برأس أخيه ليدنيه ويتفحّص من كيفيّة الواقعة ، فخاف هارون من أن يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له ، فقال إشفاقا على موسى عليه السّلام : لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي لئلّا يظنّ بك القوم ما لا يليق بك ، والحقّ أنّ موسى عليه السّلام أظهر الغضب على أخيه مع علمه بأنّه لم يفعل إلّا ما هو تكليفه وصلاح دينه ، إظهارا لشدّة غضبه من عمل قومه ، وإعظاما له ، وإعلانا بغاية قبحه وشناعته .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 95 إلى 97 ]

قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ( 95 ) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ( 96 ) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً ( 97 )
هامش
( 1 ) . الأعراف : 7 / 142 . ( 2 ) . تفسير الرازي 22 : 108 . ( 3 و 4 ) . تفسير روح البيان 5 : 419 . ( 5 ) . تفسير الرازي 22 : 109 . ( 6 ) . علل الشرائع : 68 / 1 ، تفسير الصافي 3 : 317 .