تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
ثمّ بيّن سبحانه كيفيّة حشر الخلق بقوله :
وَعُرِضُوا
بعد حشرهم
عَلى رَبِّكَ
كما يعرض الجند على الملك حال كونهم
صَفًّا
صفّا ، ومجتمعين غير متفرّقين ولا مختلطين يرى جميعهم كما يرى واحدهم . عن الصادق عليه السّلام : « هم يومئذ عشرون ومائة ألف صفّ في عرض الأرض » « 1 » . فيقول اللّه لهم :
لَقَدْ جِئْتُمُونا
من الدنيا بلا مال وأولاد وأعوان حفاة عراة
كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ .
عن عائشة قلت : يا رسول اللّه ، كيف يحشر النّاس يوم القيامة ؟ قال : « عراة حفاة » قلت : والنساء ؟ ! قال : « نعم » قلت : يا رسول اللّه ، نستحيي ! قال : « يا عائشة ، الأمر أشدّ من ذلك ، لن يهمّهم أن ينظر بعضهم إلى بعض » « 2 » . ثمّ يخاطب المنكرين للبعث ويقول سبحانه لهم توبيخا وتقريعا :
بَلْ زَعَمْتُمْ
وادّعيتهم بالكذب في الدنيا
أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ
أبدا
مَوْعِداً
ووقتا ننجز فيه ما وعدناه على ألسنة الرّسل من البعث وتبعاته ، فاليوم قد تعيّن لكم صدق ما أخبروكم ، وشاهدتم أنّ السّاعة حقّ ، والبعث صدق ، وتركتم في الدنيا ما كنتم تفتخرون به من الأموال والأولاد والأعوان .

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 49 ]

وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( 49 ) ثمّ بيّن سبحانه كيفيّة المحاسبة بقوله :
وَوُضِعَ الْكِتابُ
الذي فيه أعمال الخلق في أيديهم
فَتَرَى
يا محمّد ، أو أيّها الرائي
الْمُجْرِمِينَ
والعصاة
مُشْفِقِينَ
وخائفين
مِمَّا
هو مكتوب
فِيهِ
من العقائد الفاسدة ، والأعمال السيّئة ، والذنوب الصغيرة والكبيرة ، فينادون
وَيَقُولُونَ
حين اطّلاعهم على أعمالهم المكتوبة فيه نقيرها « 3 » وقطميرها « 4 » تعجّبا وتحسّرا :
يا وَيْلَتَنا
وهلكتنا احضري فهذا أوانك
ما لِهذَا الْكِتابِ
وأيّ شيء له ، فإنّه
لا يُغادِرُ
ولا يترك فعلة
صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
وضبطها
وَوَجَدُوا
جميع
ما عَمِلُوا
في الدنيا
حاضِراً
ومثبوتا فيه ، وإنّما يعترفون به لأنّهم يجدونه مطابقا لما كتبوه في صحائف نفوسهم بقلم
هامش
( 1 ) . الاحتجاج : 350 ، تفسير الصافي 3 : 245 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 5 : 252 . ( 3 ) . النّقير : النّكتة في ظهر النّواة . ( 4 ) . القطمير : القشرة الرقيقة بين النّواة والتمر .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 133 | الشيخ محمد النهاوندي