ثمّ بيّن سبحانه رسوخ الشرك في قلوب مشركي عصر النبيّ بقوله :
إِنْ تَحْرِصْ
يا محمّد
عَلى هُداهُمْ
وتجتهد كلّ الجهد في إيمانهم وهدايتهم ، لم يفد شيئا
فَإِنَّ
الهداية والضلالة بيد اللّه و
اللَّهَ لا يَهْدِي
إلى الحقّ
مَنْ يُضِلُّ
عنه بخذلانه ، فيبتلون بالعذاب في الآخرة ، أو فيها وفي الدنيا
وَما لَهُمْ
أحد
مِنْ ناصِرِينَ
يدافع عنهم بشفاعة أو قوة قهرية .
ثم أنّه تعالى بعد حكاية إنكارهم التوحيد ، حكى إنكارهم البعث مقسمين عليه بقوله :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
وأغلظها ، على أنّه
لا يَبْعَثُ اللَّهُ
من في القبور للحساب والجزاء
مَنْ يَمُوتُ
في الدنيا .
قيل : إنّهم أنكروا النبوة لا دعائهم لغويّته إذا لم يكن دار جزاء ، ولمّا لا تكون دار جزاء فلا يكون نبوّة « 1 » ، فردّ اللّه عليهم بقوله :
بَلى
يكون دار جزاء ، ويبعث اللّه من يموت البتة ، لأنّه تعالى حسب حكمته وعد به
وَعْداً
ثابتا
عَلَيْهِ
إنجازه ، لامتناع الخلف في وعده ، وحقّ البعث عليه
حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
بالبعث لجهلهم بقدرة اللّه وحكمته المقتضية لوجوبه عليه
لِيُبَيِّنَ
ويميّز
لَهُمُ
المطيع والعاصي ، والمحقّ والمبطل ، والظالم والمظلوم وغيرها من الحق
الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ
ويتنازعون في شأنه
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا
بإنكار التوحيد والنبوة والبعث وتكذيب وعد اللّه ورسله
أَنَّهُمْ كانُوا
في الدنيا
كاذِبِينَ
في جميع « 2 » ما يقولون ، وفي حلفهم باللّه على عدم البعث .
ثمّ استدلّ سبحانه بكمال قدرته على إمكان البعث بقوله :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ
جليل أو حقير أو عزيز أو هيّن
إِذا
اقتضى الصلاح وجوده و
أَرَدْناهُ
هو
أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ
ونفيض عليه الوجود
فَيَكُونُ
ويوجد بلا حاجة إلى مادة ومدّة ومعين وآلة ودفع مانع ومعارض ، فمن كان نفاذ إرادته بهذه المثابة ، كيف يمتنع عليه إعادة الخلق بعد إيجادهم أولا بغير مثال مع أنّ الإعادة أهون ؟ .
في ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام أنّه قال لأبي بصير : « ما تقول في هذه الآية
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 20 : 31 .
( 2 ) . في النسخة : جمع .